الدكتورة شاهيناز عبد الكريم تكتب : أمام أعين الأمريكيين .. الناتو يرفض أوامر ترامب ويكشف عزلته
تكشف حالة الغضب المتصاعدة داخل الشارع الأمريكي حجم المأزق الذي وضع فيه الرئيس دونالد ترامب بلاده، بعدما وجد المواطن الأمريكي نفسه فجأة يدفع ثمن مغامرة عسكرية لم يجنِ منها سوى ارتفاع أسعار البنزين والمواد الغذائية واتساع رقعة القلق الاقتصادي. فقد كان ترامب يتخيل أن الحرب ضد إيران ستكون نزهة سياسية وعسكرية سريعة تعزز صورته كرجل قوي، لكنه اصطدم بواقع مختلف تمامًا، حيث تحولت المواجهة إلى فخ من النيران الإيرانية والتعقيدات الدولية التي لم يحسب لها حسابًا.
ومع اشتداد الضغوط، لم يجد ترامب أمامه سوى الاستغاثة بحلف حلف شمال الأطلسي، معتقدًا أن الحلفاء سيهرعون لنجدته كما اعتاد، إلا أن الرد جاء صادمًا كزلزال سياسي مدوٍ، فقد رفضت دول الناتو الانصياع لطلباته، معلنة بوضوح أن الحلف ليس أداة لخوض حروب اختيارية خارج نطاقه الدفاعي، لتتكشف بذلك عزلة واشنطن على الملأ، ليس فقط أمام العالم، بل أمام الشعب الأمريكي الذي بدأ يدرك أن تهور قيادته قد قاده إلى أزمة دولية واقتصادية لم يكن لها داعٍ.
الأزمة بدأت عندما حاولت واشنطن وتل أبيب فرض واقع عسكري جديد في مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية، لكن الحسابات الأمريكية لم تأخذ في الاعتبار تعقيدات الجغرافيا الإيرانية ولا حساسية الدول الأوروبية تجاه أي تصعيد قد يؤدي إلى انفجار إقليمي واسع، وهنا، سقطت رهانات ترامب واحدة تلو الأخرى، بينما بقيت السفن الحربية تدور في مياه مشتعلة دون أن تحقق الهدف المعلن بفتح المضيق بالقوة.
أولى الصفعات جاءت من إسبانيا، التي أغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات العسكرية الأمريكية المشاركة في العمليات. القرار الإسباني لم يكن مجرد موقف سياسي، بل رسالة واضحة بأن مدريد لن تسمح باستخدام أراضيها في حرب لا ترى فيها مصلحة لأوروبا، ولم يخفِ رئيس الوزراء الإسباني امتعاضه من التصعيد، معتبرًا أن هذه الحرب غير مبررة وقد تجر المنطقة والعالم إلى فوضى أوسع.
ثم جاءت فرنسا لتضيف مزيدًا من الإحراج لواشنطن، حين رفضت السماح للطائرات العسكرية المتجهة إلى إسرائيل بالتحليق فوق أجوائها، باريس تمسكت بموقفها منذ اليوم الأول، مؤكدة أن الناتو تحالف دفاعي بالأساس، وليس منصة لشن عمليات هجومية خارج إطار الشرعية الدولية، هذا الموقف الفرنسي عكس قلقًا أوروبيًا عميقًا من الانجرار وراء قرارات أمريكية أحادية قد تشعل المنطقة بأكملها .
وفي إيطاليا، ورغم اللغة الدبلوماسية الهادئة، رفضت روما استخدام قواعدها العسكرية في صقلية لقاذفات أمريكية، مفضلة الابتعاد عن الصراع، وبينما حاولت الحكومة الإيطالية التخفيف من حدة القرار إعلاميًا، فإن الرسالة السياسية كانت واضحة، أوروبا لن تكون منصة انطلاق لحروب لا توافق عليها.
أما ألمانيا، فقد اختصرت الموقف الأوروبي بعبارة واحدة عندما قال وزير دفاعها،“ هذه ليست حربنا ”، جملة بدت بسيطة في ظاهرها، لكنها في الحقيقة كانت إعلانًا صريحًا برفض تحويل الناتو إلى أداة لتنفيذ أجندة واشنطن في الشرق الأوسط.
الموقف الأكثر إحراجًا لترامب جاء من فنلندا، الدولة التي انضمت حديثًا إلى الحلف طلبًا للحماية من روسيا، فقد أكدت وزيرة الخارجية إيلينا فالتونين أن الناتو غير ملزم بالمشاركة في إعادة فتح مضيق هرمز، مشددة على أن الحلف منظمة دفاعية وليست قوة تدخل عالمية، تصريحاتها بدت كصفعة دبلوماسية مهذبة، لكنها كانت قاسية في مضمونها، لأنها جاءت من دولة يُفترض أنها الأكثر حرصًا على دعم الولايات المتحدة داخل الحلف.
وسط هذه المواقف المتتالية، بدا ترامب وكأنه يقاتل على جبهتين، جبهة عسكرية في الخليج، وجبهة سياسية مع حلفائه التقليديين في أوروبا، ومع كل رفض أوروبي جديد، كانت صورة الإدارة الأمريكية تهتز أكثر، بينما يزداد شعور المواطن الأمريكي بأن بلاده تخوض حربًا مكلفة من اجل عيون إسرائيل،بلا دعم دولي حقيقي.
الشارع الأمريكي لم يتأخر في التعبير عن غضبه،فارتفاع أسعار الوقود انعكس مباشرة على تكاليف النقل والسلع الغذائية، ما أدى إلى موجة تضخم أثقلت كاهل الأسر الأمريكية،المواطن البسيط، الذي لا يعنيه كثيرًا الصراع الجيوسياسي في الشرق الأوسط، وجد نفسه فجأة يدفع ثمن قرارات اتخذت على بعد آلاف الأميال دون أن يُستشار فيها، وهنا بدأت التساؤلات ترتفع داخل الولايات المتحدة، لماذا نخوض هذه الحرب؟ ولماذا ندفع وحدنا فاتورتها؟
في المقابل، حاول ترامب التغطية على فشله السياسي بهجوم لفظي على حلفائه، واصفًا بعضهم بالجبناء، ومهددًا بإعادة النظر في عضوية بلاده في الناتو، لكن هذه التهديدات لم تجد صدى يُذكر في العواصم الأوروبية، التي بدت أكثر ثقة هذه المرة في قدرتها على رفض الضغوط الأمريكية دون أن تخشى ردود فعل حادة كما كان يحدث في السابق.
الواقع أن ما حدث لم يكن مجرد خلاف عابر، بل كشف تحوّلًا عميقًا في طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، فـ الدول الأوروبية، التي سارت خلف واشنطن في حروب سابقة، باتت اليوم أكثر حذرًا، وأقل استعدادًا للمشاركة في مغامرات عسكرية لا تخدم مصالحها المباشرة. كما أن تجربة الحروب الطويلة في الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين جعلت الرأي العام الأوروبي أكثر رفضًا لأي تدخل عسكري جديد.
وهكذا، وجد ترامب نفسه معزولًا سياسيًا، في وقت كان يحاول فيه إظهار نفسه كقائد عالمي قادر على فرض إرادته، لكن الواقع كشف عكس ذلك تمامًا، حلفاء يرفضون أوامره، وأسواق تتقلب، ومواطنون غاضبون، ومضيق لا يزال مغلقًا رغم كل التهديدات والأساطيل.
في النهاية، لم تكن الصفعة التي تلقاها ترامب مجرد موقف أوروبي رافض، بل كانت درسًا قاسيًا في حدود القوة الأمريكية في عالم لم يعد يقبل بالقرارات الأحادية، وأمام أعين الأمريكيين، انكشفت حقيقة أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لفرض الإرادة، وأن التحالفات الدولية لا تُدار بالأوامر والتغريدات، بل بالتفاهم والمصالح المشتركة،وربما يكون هذا المشهد واحدًا من أكثر اللحظات إحراجًا في مسيرة رئيس وعد شعبه بالهيمنة، فإذا به يجد نفسه وحيدًا في ساحة صراع لا يريد أحد مشاركته فيها




















.jpeg)


