المستشار محمد سليم يكتب : البلاء طريق العطاء
في حياة الإنسان، هناك لحظات تمر علينا كالسحب السوداء، تحمل معها الألم والاختبارات والمحن التي تجعل الروح تهتز، والقلب يتساءل: لماذا هذا البلاء؟ هل هو عقاب؟ أم قدر محتوم؟ سؤال لطالما واجهنا نحن البشر، لكنه وجّهنا إلى جوهر الحقيقة، كما فعل الإمام الشافعي حين سُئل: أي الأحوال أحب إلى الله؛ العطاء أم البلاء؟ فأجاب ببساطة، وبعمق لا تخطئه العين: "ما جاء العطاء إلا بعد البلاء".
إنها حكمة صادقة، تحمل في طياتها سرًّا من أسرار الكون والحياة، وتفتح للإنسان نافذة فهمٍ للحكمة الإلهية في الابتلاءات. فالبلاء ليس مجرد معاناة عابرة، بل هو اختبار لصقل النفس، وتجربة للروح، ومرحلة تمهيدية للعطاء. كما يقول الشيخ الشعراوي: البلاء كالتمر في النار، إذا أُحسن التعامل معه، يخرج الإنسان منه أصفى وأنقى، وكأن الحياة تهمس له: صبرك اليوم، ثمارك غدًا.
البلاء لا يقتصر على الألم الجسدي أو الخسارة المادية، بل يتجاوز ذلك إلى الابتلاء بالخيبة، والفشل، وضياع الأحلام، وحتى الوحدة والخذلان. وفي كل مرة يضيق فيها صدر الإنسان، ويثقل قلبه، يكون البلاء مدربًا روحيًا يجهز الإنسان لاستقبال العطاء الحقيقي. فكما يرى الدكتور مصطفى محمود، "الإنسان بلا ابتلاء كالنبتة بلا ماء، لا ينمو ولا يثمر، فلا يعرف قيمة النور إلا بعد الظلام، ولا يعرف قيمة الصحة إلا بعد المرض، ولا قيمة العطاء إلا بعد الصبر على البلاء".
العطاء الإلهي، الذي يشمل كل أنواع النعم، لا يأتي فراغًا. هو نتاج تجربة، ونتاج صبر، ونتاج إخلاص. كل لحظة ألم تمر بها النفس هي خطوة نحو العطاء المنتظر، وكل دمعة تنزل من عينك تحمل وعدًا سرّيًا أن الفرج قريب. وكما كان الشافعي يعلمنا، فإن الانتظار ليس هباءً، وإنما هو مرحلة تجهيز: "فاصبر على البلاء تبشر بالعطاء".
ومن منظور آخر، البلاء مدرسة للحكمة، ومختبر للمعاني الإنسانية العميقة. الإنسان حين يمر بالابتلاء يكتشف قوته الداخلية، ويعيد النظر في أولوياته، ويوازن بين ما يملك وما يحتاج، ويقيم علاقته بالخالق. في هذه اللحظات، يصبح الإنسان أقرب إلى الله، وأكثر إدراكًا لعظمة الحياة وأسرارها. الشعراوي يوضح أن الابتلاء وسيلة لتصحيح البوصلة الروحية، وهو امتحان ليس ليُعاقب الإنسان، بل ليُنقيه، ويقويه، ويجعله مستعدًا للعطاء الأوفى.
وفي حياة يومية مليئة بالتحديات، نجد أن الذين صبروا على البلاء كانوا أكثر قدرة على تقدير نعم الحياة، هؤلاء الأشخاص حين يأتون بالعطاء لا يفعلونه من منطلق حاجة أو رغبة في الاعتراف، بل من قلب نقي، ممتلئ بالشكر، وبإحساس حقيقي بمقدار الألم الذي تجاوزوه. وكأن الحياة تقول لهم: من تحمل الألم، صار قادرًا على منح الآخرين الأمل.
البلاء أيضًا يعلّمنا أن نتواضع. الإنسان حين يواجه المحن يدرك محدوديته، ويدرك أن قوته ليست مطلقة، وأن اعتماده الأساسي يجب أن يكون على الله، لا على البشر أو الظروف. العطاء، في المقابل، يصبح نتاج هذه الرحلة: نتاج الفهم العميق، نتاج الرحمة المكتسبة، ونتاج التجربة الإنسانية التي صقلت الروح.
إن البلاء يوقظ في الإنسان مشاعر التعاطف مع الآخرين، ويعلمه أن الحياة ليست مجرد مأكولات وملذات، بل هي فرص للاختبار، وللارتقاء الروحي والأخلاقي. ومن هنا، يمكننا أن نفهم لماذا يحب الله البلاء أحيانًا أكثر من العطاء المباشر، لأنه طريق لاختبار الصبر، وإشعال نار الإرادة، وإعداد الإنسان للعطاء الحقيقي.
في النهاية، يمكننا أن نستخلص دروسًا واضحة- لا تهرب من البلاء، ولا تستخف بمعاناتك، فكل تجربة مؤلمة هي نواة لعطاء أكبر. ثق أن الألم مؤقت، وأن الصبر مفتاح، وأن العطاء الحقيقي يشرق بعد الغيم. وكما قال الشافعي ببساطة حكيمة، "ما جاء العطاء إلا بعد البلاء"، لتكون هذه العبارة دليلًا لكل إنسان يسعى للحياة بمعنى، وكل قلب ينتظر النور بعد الظلام.
إنها رحلة قصيرة المدى، لكنها طويلة في أثرها؛ رحلة تبدأ بالصبر، وتنتهي بالفرح، رحلة تعلمنا أن البلاء ليس عدوًا، بل صديقًا يطرق أبوابنا ليمهد الطريق للعطاء، ليعلّمنا أن قيمة العطاء الحقيقية لا تُقاس بما يُعطى، بل بما صبرنا عليه لنستحقه.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالنقض



















.jpeg)


