المستشار محمد سليم يكتب: الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران.. ماذا بعد؟
لم نعد أمام توقعات أو سيناريوهات افتراضية، الحرب اندلعت بالفعل منذ أمس بين إسرائيل وإيران بدعم ومشاركة من الولايات المتحدة، بينما الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة عنوانها المواجهة المباشرة لا الرسائل غير المعلنة.
الصواريخ انطلقت، أنظمة الدفاع اشتغلت بكامل طاقتها، والبيانات العسكرية لم تعد تحذر من احتمال الحرب، بل تتحدث عن تطوراتها الميدانية ساعة بساعة.
الخبراء العسكريون أجمعوا منذ اللحظة الأولى على أن ما جرى ليس ضربة معزولة يمكن احتواؤها سريعًا، بل بداية مسار تصعيدي مفتوح على احتمالات واسعة، بعضهم وصف المشهد بأنه “اختبار كسر إرادات”، حيث تسعى إسرائيل إلى توجيه ضربة مؤثرة للبنية العسكرية الإيرانية، بينما تتحرك طهران وفق عقيدة تقوم على الرد المحسوب الذي يثبت القدرة على الإيلام دون الانجرار إلى انهيار شامل.
تحليلات مراكز الدراسات الاستراتيجية أكدت أن إيران تمتلك قدرات صاروخية متنوعة قادرة على الوصول إلى عمق أهداف خصومها، إضافة إلى منظومات متقدمة من الطائرات المسيّرة، كما أشارت إلى أن الرد الإيراني السريع يعكس استعدادًا مسبقًا، وأن قواعد الاشتباك تغيرت فعليًا.
في المقابل، يعتمد الجانب الإسرائيلي على تفوقه التكنولوجي ومنظومات دفاع متعددة الطبقات، لكنه يدرك أن أي حرب مفتوحة تعني ضغطًا غير مسبوق على الجبهة الداخلية.
الخبراء الأمريكيون لم يخفوا قلقهم من اتساع نطاق المواجهة. بعضهم حذر من أن انخراط واشنطن في العمليات يضع مصالحها وقواعدها في المنطقة ضمن دائرة الاستهداف، وأن الحرب – إذا طالت – ستفرض تكاليف عسكرية واقتصادية ثقيلة، ولفتوا إلى أن أي تهديد لحركة الملاحة في الخليج أو البحر الأحمر سيؤدي إلى ارتباك فوري في أسواق الطاقة وارتفاع حاد في الأسعار، وهو ما بدأ العالم يلمس مؤشراته بالفعل.
اللافت في تقييمات الخبراء أن الجميع يتحدث عن “سقف مجهول للتصعيد”، فكل ضربة تستدعي ردًا، وكل رد قد يفتح بابًا لخطوة أشد، ومع اتساع دائرة الاشتباك، يصبح احتمال دخول أطراف إقليمية أخرى قائمًا، سواء بصورة مباشرة أو عبر ساحات جانبية، هذا السيناريو هو الأكثر إثارة للقلق، لأنه ينقل المواجهة من صراع ثنائي إلى حرب إقليمية واسعة.
وسط هذا المشهد المشتعل، تبرز مصر في موقع بالغ الحساسية، فهى تتابع التطورات بدقة، لأن أي انفجار إقليمي ستكون له انعكاسات مباشرة على أمنها القومي واستقرارها الاقتصادي.
مصر تدرك أن اشتعال الممرات البحرية يهدد حركة التجارة العالمية، ويؤثر على قناة السويس، ويضغط على أسواق الطاقة والغذاء.
مصر تتحرك وفق رؤية ثابتة تقوم على حماية الداخل، ودعم الاستقرار الإقليمي، ومنع امتداد الفوضى ،الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد بوضوح أن المنطقة لا تحتمل مزيدًا من الدماء، وأن الحلول العسكرية مهما بدت حاسمة في لحظة اشتعال، لا تصنع أمنًا دائمًا.
الرئيس عبد الفتاح السيسي شدد على أن الحفاظ على الأمن القومي المصري خط أحمر لا يقبل المساومة، وأن الدولة المصرية توازن بين الجاهزية الكاملة لأي طارئ، والعمل السياسي المكثف لتطويق الأزمة،و أوضح أن جذور التوتر في الإقليم، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، تظل العامل الأكثر تأثيرًا في دورة العنف المتكررة، وأن غياب الحل العادل يترك الباب مفتوحًا لكل انفجار.
الخبراء المصريون يحذرون من أن أخطر ما في الحرب القائمة الآن هو منطق “الضربة التصاعدية”، حيث يتحول الرد المحدود إلى رد أوسع، ثم إلى مواجهة لا يمكن التحكم في مسارها، ويؤكدون أن الحروب الحديثة لا تُقاس فقط بحجم النيران، بل بقدرتها على الاستنزاف طويل الأمد، سياسيًا واقتصاديًا ونفسيًا.
القارئ اليوم لا يتابع نشرة أخبار عابرة، بل يعيش لحظة تاريخية قد تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، السؤال لم يعد: هل ستقع الحرب؟ بل: إلى أي مدى ستذهب؟ هل ستبقى ضمن حدود مدروسة؟ أم تتحول إلى صراع واسع يعيد تشكيل المنطقة بالقوة؟
الحرب اشتعلت، والنار بدأت تأكل أطراف المشهد، لكن القرار ما زال بيد العواصم الكبرى، إما ضبط الإيقاع قبل أن يتسع اللهيب، أو تركه يتمدد حتى يطال الجميع، وبين حسابات الميدان وصخب التصريحات، يبقى الأمل معقودًا على أن ينتصر منطق الدولة على منطق المغامرة، فالشرق الأوسط لا يحتاج حربًا جديدة، بل يحتاج شجاعة سياسية توقف النزيف قبل أن يتحول إلى إعصار لا يفرق بين رابح وخاسر.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالنقض




















.jpeg)


