المستشار محمد سليم يكتب: زيارة السيسى للسعودية… رسالة قوة وتحالف مصير
لم تكن الزيارة الأخوية التي قام بها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى المملكة العربية السعودية مجرد لقاء بروتوكولي عابر، ولا محطة دبلوماسية تقليدية تُضاف إلى سجل العلاقات الثنائية بين القاهرة والرياض، بل جاءت – في توقيتها ومضمونها ورسائلها – تأكيدًا جديدًا على أن مصر والسعودية تمثلان معًا ركيزتي الاستقرار في الإقليم، وأن التنسيق بينهما لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي.
الزيارة التي التقى خلالها الرئيس السيسي بأخيه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي عهد المملكة العربية السعودية رئيس مجلس الوزراء، عكست مستوى رفيعًا من الثقة المتبادلة والتفاهم العميق بين القيادتين. فمنذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن اللقاء يتجاوز إطار المجاملات الدبلوماسية، ليؤسس لمرحلة أكثر تقدمًا في مسار الشراكة المصرية – السعودية.
لقد أثبت الرئيس السيسي، مرة أخرى، أنه قائد يمتلك رؤية استراتيجية متكاملة، يدير بها علاقات مصر الخارجية بثبات وحكمة واتزان ، فالرجل الذي أعاد للدولة المصرية هيبتها في الداخل، وأعاد رسم مكانتها في الخارج، يتحرك في محيط إقليمي مضطرب بعقل الدولة لا بعاطفة اللحظة، وبمنطق المصالح لا بردود الأفعال.
زيارته إلى المملكة في هذا التوقيت الحساس تعكس إدراكًا عميقًا لحجم التحديات التي تمر بها المنطقة، وفي مقدمتها تطورات القضية الفلسطينية، والأوضاع في قطاع غزة، وحالة الاستقطاب الدولي المتصاعد.
وفي المقابل، يبرهن الأمير محمد بن سلمان على أنه رجل دولة من طراز رفيع، يقود بلاده برؤية تحديثية طموحة، ويوازن بين متطلبات الداخل السعودي وانفتاحه الاقتصادي الهائل، وبين مسؤوليات المملكة العربية السعودية الإقليمية والدولية. ولي العهد السعودي لم يعد مجرد قائد شاب يقود مشروعًا تنمويًا ضخمًا، بل أصبح أحد أهم صناع القرار في المنطقة، وصوتًا مسموعًا في المعادلات الدولية الكبرى.
الدلالة الأولى للزيارة تكمن في تأكيد وحدة الموقف المصري - السعودي تجاه القضايا المصيرية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، فقد شدد اللقاء على ضرورة الالتزام بوقف الحرب في غزة، وزيادة تدفق المساعدات الإنسانية، ورفض أي محاولات لتهجير الشعب الفلسطيني خارج أرضه، وهذا الموقف يعكس انسجامًا كاملًا بين القاهرة والرياض في الدفاع عن الحقوق العربية المشروعة، ورفض فرض حلول تنتقص من الثوابت التاريخية.
الدلالة الثانية تتعلق بتعزيز التنسيق السياسي لمواجهة مخاطر التصعيد في المنطقة،ففي ظل أزمات متشابكة تمتد من غزة إلى البحر الأحمر، ومن السودان إلى بؤر توتر أخرى، يصبح التنسيق بين مصر والسعودية بمثابة صمام أمان إقليمي، وعندما تجتمع القاهرة والرياض على رؤية موحدة، فإن ذلك يبعث برسالة واضحة إلى الجميع بأن هناك محور اعتدال عربي قادرًا على حماية الأمن القومي العربي، ومنع انزلاق المنطقة إلى فوضى جديدة.
أما الدلالة الثالثة، فهي البعد الاستراتيجي للعلاقات الثنائية، فالعلاقة بين مصر والسعودية ليست علاقة مصالح آنية، بل علاقة تاريخ وجغرافيا ومصير مشترك، البلدين يشكلان معًا ثقلاً سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا هائلًا في العالمين العربي والإسلامي. وعندما تتكامل الرؤى بين الرئيس السيسي والأمير محمد بن سلمان، فإن ذلك يفتح الباب أمام مزيد من التعاون في مجالات الاستثمار، والطاقة، والتنمية، والأمن الغذائي، والصناعة، بما ينعكس مباشرة على رفاهية الشعبين الشقيقين.
من هنا لا يمكن إغفال الرمزية العميقة لحرص الأمير محمد بن سلمان على استقبال الرئيس السيسي بحفاوة كبيرة، ثم توديعه بنفسه في مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، هذه اللفتة ليست مجرد بروتوكول، بل تعبير صادق عن تقدير شخصي وسياسي متبادل بين قائدين يعرف كل منهما جيدًا قيمة الآخر، ويدرك أن التحالف بينهما هو ركيزة استقرار المنطقة.
لقد نجح الرئيس السيسي في ترسيخ معادلة واضحة مصر دولة محورية لا يمكن تجاوزها، وصوتها حاضر في كل الملفات الكبرى. كما نجح الأمير محمد بن سلمان في تثبيت مكانة المملكة كقوة إقليمية صاعدة، تمتلك رؤية اقتصادية طموحة وسياسة خارجية متزنة، وعندما يلتقي هذا الثقل المصري بتلك الديناميكية السعودية، تتشكل معادلة قوة عربية حقيقية.
إن زيارة الرئيس إلى المملكة، في شهر رمضان المبارك، وعلى هامش أجواء روحانية خاصة، تحمل أيضًا بعدًا رمزيًا يعكس عمق الروابط الأخوية بين الشعبين. فهي ليست علاقة حكومات فحسب، بل علاقة شعوب يجمعها الدين والتاريخ والمصير المشترك.
في زمن تتكاثر فيه التحالفات الهشة، وتتصاعد فيه النزاعات، تبدو العلاقة المصرية - السعودية نموذجًا للتحالف الراسخ القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والرؤية الاستراتيجية. زيارة الرئيس السيسي إلى المملكة العربية السعودية تؤكد أن القاهرة والرياض تتحركان بخطى واثقة نحو تعزيز هذا التحالف، وأن قيادتي البلدين تدركان حجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقيهما.
تحية تقدير وإجلال للرئيس عبد الفتاح السيسي، القائد الذي يحمل هموم وطنه وأمته بثبات وثقة، ويجوب العواصم مدافعًا عن استقرار المنطقة وحقوق شعوبها.
وتحية اعتزاز للأمير محمد بن سلمان، رجل الرؤية والطموح، الذي يقود بلاده بثقة نحو المستقبل، ويؤمن بأن الشراكة مع مصر هي حجر الزاوية في معادلة الأمن العربي.
إنها زيارة أكدت أن مصر والسعودية… قلب واحد في جسد أمة تبحث عن الاستقرار، وصوتان متوافقان في زمن الضجيج، وإرادتان سياسيتان تعرفان جيدًا كيف تُصنع القوة وكيف يُصان السلام.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالنقض




















.jpeg)


