المستشار محمد سليم يكتب: هرمز وسد النهضة.. ازدواجية القوة ووقاحة المعايير
في عالمٍ يُفترض أنه يُدار بقواعد القانون الدولي واحترام سيادة الدول، تكشف الولايات المتحدة يومًا بعد يوم عن وجهٍ آخر، وجهٍ لا يعترف إلا بالمصالح، ولا يرى في العدالة سوى أداة تُستخدم وقت الحاجة. وبين مضيق هرمز وسد النهضة، تتجلى هذه الازدواجية في أوضح صورها.
فعندما يتعلق الأمر بمضيق هرمز، تتحرك واشنطن بسرعة مذهلة، تُحشد التحالفات، وتُلوّح بالخطر، وتدعو العالم لحماية الملاحة الدولية، وكأن تعطيل مرور السفن يهدد استقرار الكون بأسره. فجأة، تصبح حرية التجارة قضية كونية تستدعي الجيوش والأساطيل.
لكن، حين ننتقل إلى أزمة سد النهضة، التي تمس حياة ملايين المصريين والسودانيين، نجد صمتًا باردًا، ومواقف باهتة، وتحركات لا ترقى إلى مستوى الخطر، وكأن تهديد شريان الحياة لشعوب كاملة لا يستحق نفس الحشد، ولا نفس القلق، ولا حتى نفس الاهتمام،هنا تسقط الأقنعة، ويتضح أن المعايير ليست واحدة، وأن ميزان العدالة مختل.
لكن الصورة لا تكتمل دون التوقف أمام أخطر أوجه هذه الازدواجية، الملف النووي، فـ الولايات المتحدة لا تتردد في توجيه الضربات العسكرية، وفرض العقوبات، بل واغتيال قادة وعلماء، تحت ذريعة أن إيران تسعى لامتلاك سلاح نووي، تتحرك بكل قوة، وتُحشد العالم، وتُبرر كل أفعالها تحت عنوان حماية الأمن الدولي، وفي المقابل، تقف إسرائيل، التي تمتلك بالفعل ترسانة نووية متكاملة، في تحدٍ واضح لكل قواعد الشرعية الدولية، دون أن نسمع صوتًا أمريكيًا يطالب بالتفتيش، أو يلوّح بعقوبات، أو حتى يُبدي قلقًا حقيقيًا.
أي منطق هذا؟ وأي عدالة هذه؟ ،كيف تُعاقب دولة على نوايا لم تثبت بشكل قاطع، بينما تُحمى دولة تمتلك السلاح فعليًا؟ وكيف يصبح “الخطر النووي” مبررًا للضرب والاغتيال في حالة، وصمتًا مريبًا في حالة أخرى؟
إنها ليست سياسة، إنها ازدواجية فجّة تكشف حقيقة المشهد، العالم لا يُدار بالقانون، بل بالمصالح، ومن يملك القوة يفرض روايته.
ونفس هذا المنطق هو ما نراه في أزمات المنطقة، فـ الدولة التي تُحشد العالم لحماية مضيق بحري من أجل النفط، هي نفسها التي تتجاهل خطر العطش الذي يهدد شعوبًا بأكملها، والدولة التي ترفع شعارات منع الانتشار النووي، هي نفسها التي توفر الغطاء الكامل لترسانة نووية قائمة بالفعل لدى اسرائيل .
وفي ظل هذا المشهد المرتبك، لم يعد مقبولًا أن تظل الدول العربية أسيرة أوهام الحماية، أو رهينة لوعود لا تُنفذ، التجربة أثبتت أن السياسات الأمريكية في المنطقة لا تستهدف استقرارًا حقيقيًا، بل إدارة توازنات تخدم مصالحها، حتى لو كان الثمن إضعاف الدول واستنزاف مقدراتها.
إن ما شهدته المنطقة في السنوات الماضية يؤكد أن ما يُسمى بـ“الفوضى الخلاقة” لم يكن مجرد نظرية، بل واقعًا أعاد تشكيل دول، وأشعل صراعات، وفتح أبوابًا لم تُغلق بعد.
وهنا يفرض السؤال نفسه: هل ما يحدث صدفة؟ أم أنه جزء من رؤية تُبقي المنطقة في دائرة الاضطراب؟ ،لذلك، فإن اللحظة الراهنة تفرض على الدول العربية أن تعيد قراءة المشهد بوعي مختلف، وأن تدرك أن الاعتماد الكامل على قوى خارجية لم يعد خيارًا آمنًا، فـ العلاقات الدولية لا تُدار بالعواطف، بل بالمصالح، ومن لا يملك أدواته، يصبح ورقة في يد الآخرين.
الرهان الحقيقي اليوم ليس على تغيير سياسات الآخرين، بل على بناء قوة عربية قادرة على فرض التوازن، وحماية الحقوق، وصناعة القرار المستقل، فالعالم لا يحترم إلا الأقوياء، ولا يسمع إلا من يملك قراره، لقد آن الأوان لكشف هذا الوجه القبيح، لا بالكلمات فقط، بل بالفعل، لأن الحقوق في هذا العالم لا تُمنح، بل تُنتزع.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالنقض




















.jpeg)


