بوابة الدولة
الخميس 5 مارس 2026 03:19 صـ 16 رمضان 1447 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

المستشار محمد سليم يكتب : وجود عسكري صيني في إيران .. ماذا تعني تصريحات الجنرال الروسي؟

المستشار محمد سليم
المستشار محمد سليم

في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، فجّر اللواء الروسي المتقاعد فلاديمير بوبوف، المعروف بعلاقاته الواسعة داخل دوائر القرار في الكرملين، تصريحات مثيرة للجدل حول وجود عسكريين صينيين على الأراضي الإيرانية لاختبار أنظمة أسلحة فرط صوتية في ميادين التجارب الإيرانية.

التصريحات، التي جاءت خلال مقابلة صحفية، لم تمر مرور الكرام، إذ تحمل في طياتها دلالات استراتيجية تتجاوز مجرد خبر عسكري إلى إعادة رسم محتملة لخريطة التوازنات في المنطقة.
بوبوف لم يتحدث عن مستشارين عسكريين أو خبراء تقنيين، بل أشار إلى “قوات اختبار أسلحة نشطة”، مهمتها تجربة صواريخ وقنابل فرط صوتية في ظروف قريبة من القتال الحقيقي.

هنا تكمن النقطة الأخطر؛ فاختبار هذا النوع من الأسلحة لا يتعلق فقط بتطوير تقني، بل بقياس الفاعلية تحت ضغط ميداني، وهو ما يحوّل إيران - وفق هذا الطرح - إلى ساحة تجارب متقدمة للصناعات العسكرية الصينية.
الدلالة الأولى لهذه التصريحات تتعلق بطبيعة التحالفات الناشئة ، فوجود صيني مباشر - إن صح - يعني انتقال بكين من مربع الدعم السياسي والاقتصادي لطهران إلى مستوى أعمق من التنسيق العسكري.

الصين، التي عُرفت تاريخيًا بالحذر في الانخراط العسكري خارج حدودها، تبدو وفق هذا السيناريو وكأنها تختبر نموذجًا جديدًا لتوسيع نفوذها الدفاعي دون إعلان رسمي أو انتشار تقليدي واسع.
أما الدلالة الثانية فمرتبطة بسلاح “فرط الصوتي” ذاته، هذه الأسلحة، التي تتجاوز سرعتها خمسة أضعاف سرعة الصوت وتتميز بقدرتها على المناورة، تُعد من أخطر ما توصلت إليه الصناعات العسكرية الحديثة، حيث إن إدخالها إلى مسرح إقليمي مضطرب يرفع سقف الردع ويعقّد حسابات الخصوم، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتان تعتمدان على منظومات دفاع جوي متطورة قد تواجه تحديًا حقيقيًا أمام تقنيات من هذا النوع.
بوبوف أشار كذلك إلى ما وصفه بـ“استراتيجية الموجة الثانية”، معتبرًا أن إيران لم تدفع بعد بأقوى ما لديها، وأنها تؤجل استخدام بعض قدراتها إلى حين استنزاف الإمدادات اللوجستية الأمريكية.

هذا الطرح يسلط الضوء على بُعد آخر في المعادلة، حرب الاستنزاف اللوجستي، فالقوة العسكرية لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات، بل بقدرة سلاسل الإمداد على الاستمرار تحت الضغط.
وفق رؤية بوبوف، فإن الولايات المتحدة جهزت عدة مواقع احتياطية في الأيام الأولى لأي مواجهة محتملة، إلا أن هذه المواقع - حسب تحليله - قد استُنفدت، ما يفرض نقل منصات الإطلاق تحت نيران الخصم، وهو سيناريو يرفع كلفة العمليات ويضغط على الجاهزية القتالية، كما ذهب إلى حد التشكيك في أي حديث عن “احتياطيات غير محدودة”، معتبرًا ذلك أقرب إلى الخطاب السياسي منه إلى الواقع العسكري.
الزاوية الثالثة في قراءة هذه التصريحات تتعلق بالصين نفسها، إذا اعتُبرت إيران “ميدان تجارب بالذخيرة الحية” للصناعات العسكرية الصينية، فإن ذلك يعكس رغبة بكين في اختبار تقنياتها في بيئة عملياتية حقيقية، بعيدًا عن التجارب المخبرية أو المناورات المحدودة.

الحرب في أوكرانيا وُصفت سابقًا بأنها ساحة اختبار لقدرات روسيا، والآن تُطرح إيران - وفق بوبوف - كساحة اختبار للصين. هذا التشبيه يعكس تحول الصراعات الإقليمية إلى منصات تنافس بين القوى الكبرى، ولو بشكل غير مباشر.
لكن يبقى السؤال، هل تعكس هذه التصريحات معلومات استخباراتية دقيقة أم أنها جزء من حرب نفسية وإعلامية؟ في عالم الصراعات الحديثة، تلعب الرسائل غير المباشرة دورًا لا يقل أهمية عن التحركات العسكرية.

إعلان وجود قوات صينية يرسل إشارة ردع، سواء كان الوجود بالحجم المعلن أو أقل من ذلك، الرسالة هنا مزدوجة، إيران ليست وحدها، وأي تصعيد قد يفتح الباب أمام تعقيدات أكبر من مجرد مواجهة ثنائية.
كذلك لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي-الصناعي،للمجمع الصناعي العسكري الصيني الذى يسعى إلى تعزيز سمعته التنافسية عالميًا، حيث إن إثبات فعالية الأسلحة في ظروف قتال حقيقية يمنحها ميزة تسويقية واستراتيجية في سوق السلاح الدولي، وإذا نجحت التجارب، فإن بكين تعزز موقعها كمورد موثوق ومتقدم تقنيًا، ما ينعكس على ميزان القوى العالمي.
في المقابل، أي انكشاف مباشر لدور صيني ميداني قد يعرّض بكين لضغوط دبلوماسية وعقوبات إضافية، وهو ما يفسر - إن وُجد الدور - طابعه غير المعلن رسميًا.

الصين تاريخيًا تميل إلى العمل في الظل، وتفضّل توسيع نفوذها عبر الاقتصاد والبنية التحتية، لكن التحولات الجيوسياسية قد تدفعها إلى خيارات أكثر جرأة.
في المحصلة، تصريحات بوبوف – سواء كانت كشفًا استخباراتيًا دقيقًا أو قراءة تحليلية منحازة - تعكس حقيقة أعمق المنطقة لم تعد ساحة صراع محلي، بل جزء من تنافس دولي محتدم على النفوذ والتكنولوجيا والردع، فـ الأسلحة فرط الصوتية ليست مجرد أدوات عسكرية، بل رموز لمرحلة جديدة من سباق التسلح.
والأخطر أن ميادين الاختبار لم تعد معزولة في صحارى بعيدة، بل باتت مرتبطة بجغرافيا سياسية مشتعلة، بين حسابات الردع، واستراتيجيات الاستنزاف، ورسائل القوة غير المباشرة، تبدو إيران - في هذا المشهد -عقدة تقاطع لمصالح كبرى تتجاوز حدودها.
ويبقى السؤال مفتوحًا، هل نحن أمام تحول استراتيجي حقيقي في طبيعة الانخراط الصيني، أم أمام فصل جديد من فصول الحرب الباردة بصيغة أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا؟ الأيام وحدها كفيلة بكشف الإجابة، لكن المؤكد أن ميزان القوى في المنطقة لم يعد كما كان.

كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالنقض

أسعار العملات

متوسط أسعار السوق بالجنيه المصرى04 مارس 2026

العملة شراء بيع
دولار أمريكى 50.1353 50.2353
يورو 58.3174 58.4437
جنيه إسترلينى 67.0459 67.1998
فرنك سويسرى 64.2019 64.3547
100 ين يابانى 31.8927 31.9665
ريال سعودى 13.3548 13.3836
دينار كويتى 163.7071 164.0872
درهم اماراتى 13.6475 13.6784
اليوان الصينى 7.2683 7.2837