بوابة الدولة
الأحد 13 سبتمبر 2026 10:24 صـ 30 ربيع أول 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفى محمود الشاذلى يكتب : نعــم .. أتوقف كثيرا وطويلا أمام منعطفات الحياه .

محمود الشاذلى
محمود الشاذلى


دائما أتمسك بالأمل فى حياه أفضل ، وأبذل الجهد للمساهمه فيما يحقق إستقرارا للوطن ، وأجتهد أن أمهد الطريق للأجيال القادمه عبر إقتحام المشكلات ، وتجاوز الصعاب ، والقضاء على الإخفاقات ، ولدى قناعه أن القادم أفضل بإذن الله تعالى رغم ترديات البشر ، وسيظل هذا منطلقى فى الحياه ، حتى ولو كان واقعها الذى نعيشه الآن حياه موحشه فاقت وحشتها وحشة القبور ، حياه لم يعد فيها بهجه ، أو حتى الإحساس بالسعاده ، حياه بات فيها القوى يستأسد على الضعيف ، والغنى يسحق الفقير ، وكثر يبحثون عن الوجاهة الإجتماعيه عبر أحزاب سياسيه فقدت منطلقاتها الحقيقيه فى واقعنا المعاصر ، حتى الحياه النيابيه لم تعد الإراده الشعبيه منطلقا لنائب بالبرلمان فتلاشى كل شيىء جميل . بالمجمل .. لست من المحبطين تأثرا بما يشهده المجتمع من هزل رسخ لدينا اللامعقول ، واللامفهوم ، واللامنطقى ، حيال كل شيىء بالمجتمع ، أو من المنكسرين تأثرا بما يحدث بالمجتمع من ظلم ، أو من الحيارى بعد أن ساد واقعنا إبن البيه بيه ، وإبن المواطن البسيط لاقيمة له لذا لايحق له أن ينشد موقعا رفيعا أو وظيفه مرموقه حتى ولو كان من المبدعين .

تتملكنى حاله من الزهد ليس فى العمل السياسى أو الترشح للبرلمان يوما ما وفقط ، إنما فى كل الحياه ، حيث أدركت من معايشتى لأسيادى المرضى ، أن الدنيا حقا لاتساوى عند الله جناح بعوضه ، لذا كثيرا ماأحاول أن أنتزع نفسى من زخم الحياه ، والخلود إلى الوجدان حيث أجلس كثيرا فى ركن ركين لعلنى أستطيع تحقيق التوازن النفسى الذى ينشده كل من يريد أن يعيش حياه مطمئنه راضيا عن نفسى ، داعيا الله تعالى أن يجعل ماأقدمه من خير فى ميزان حسناتى .

نعــم .. أتناغم مع ذاتى ، أحتضن الكرام ، أأنس بالأحباب ، أستحضر ماضى جميل بات من الذكريات ، أتوقف كثيرا وطويلا أمام منعطفات الحياه ، يزلزل كيانى إستغاثة أسيادى المرضى في جوف الليل ، أتأمل الحياه ومجرياتها ، يطمئن القلب ، ويريح النفس أن أستشعر الأحباب بنبض القلب ، وكل الكيان متناغما مع الأفعال الطيبه ، والخلق الكريم ، وجبر الخاطر ، أحتضن من جرفتهم الأيام ، وأخذتهم دوامة الحياه ، ولسان حالى يقول أيها الإنسان ماأضعفك ، وماأعظم أن يكون الطبيب إنسان ، فى زمن إنعدمت فيه الإنسانيه ، وبات الناس فى تيه ، يدمر بعضهم بعضا ، ويسحق القوى فيهم الضعيق ، وينال صاحب السلطه بجبروته من الذين لاسلطه لهم ، ونسى الإبن أباه ، وبات البحث عن العيش فى رغد حيث القصور والمنتجعات والشاليهات مبتغى وغايه عند فئة النصف فى المائه بالمجتمع ، وهؤلاء هم فئة البهوات الذين أصبحت قضية حياتهم عشق الأنا ، وعبادة الذات ، وعدم اليقين أننا جميعا إلى زوال ، لذا لم ينتبهوا أو حتى يلتفتوا إلى هؤلاء البسطاء الكرام من الناس الذين طحنتهم الحياه وأظهرت عظامهم من تحت جلودهم وباتوا يئنون من الوجع ، وينشغلون كل الوقت بلقمة العيش ، والبحث عن مصدر رزق .

أفكر كثيرا كيف إنتفض وجدانى في جوف ليلة هذا اليوم وأنا أتابع هرولة أسره من كرام بلدتى إلى مستشفى طنطا العام لإنقاذ أختهم حيث قرر الطبيب بمستشفى بسيون المركزى سرعة التحرك لمستشفى طنطا العام فورا وإلا فارقت الحياه ، وكان الملاذ الخلوق المحترم الدكتور عبدالله هلالى مدير إدارة الطوارىء والعنايه الحرجه بمديرية الصحه بالغربيه النموذج المشرف للأطباء بحق ، الذى تواصلت معه بعد الثانيه صباحا ، شكر الله له على ماقدمه لمريضتنا من مساعده ، كما توقفت أمام رجاءات الأب المسكين لأعينه على إنقاذ طفلته المهدده بالموت لإرتفاع السكر بصوره مرعبه ، قد تدمر كل الجسد ، وكيف وفقنى الله تعالى وسخر لى وله من هم أفضل منا عنده سبحانه بكريم صنائعهم مع المرضى ، ونجدتهم للملهوفين ، أطبائنا الكرام بمستشفيات جامعة طنطا ملائكة الرحمه في القلب منهم الدكتور محمد جابر ، والدكتور محمد سمير ، والدكتور أحمد سويلم ، وغيرهم كثر ، وقائدهم العظيم السابق عميد العمداء الدكتور أحمد غنيم ، وقائدهم الحالى المحترم الدكتور محمد حنتيره .

أبكانى من كان عنده طموح أن يكون رقما صحيحا بالمجتمع ، وأن يحقق طموحاته في الحياه ، وماعاش من أجله ، متعهدا ببذل الجهد إلى أقصى درجه ، وحقا كان مثابرا وذهب إلى أوروبا ، وحصل على شهادات علميه بتقدير إمتياز كما تمنى ورسم وخطط ، وفجأه جاء أمرالله وداهمه المرض اللعين ، وبات شغله الشاغل الإهتمام بنفسه ، والبحث عن علاج ، وآخر أنجب طفلا بعد أربعة عشر عاما ثم أراد الله أن يختبر إيمانه فكان السرطان ، فوقف في مستشفى 57 بالقاهره يناجى ربه باكيا إلى الدرجه التي أبكانى فيها معه وكل الحضور بما فيهم الأطباء ، وكان قوله ” بأشحته منك يارب ” بمثابة دعاء بسيط من القلب يتوافق مع مستوى تعليمه البسيط ، وكانت إستجابة رب العالمين سبحانه وشفاء إبنه درسا إيمانيا عظيما ، وهذا الذى رأيته يبكى في ركن ركين يدعو ربه ليشفى ولده الوحيد وكانت نظرات عينيه لى عند إقترابى منه لاأنساها ماحييت وهى نظرات إنكسار لم ألمسها لدى أحدا في حياتى ، وهو من هو يهتز المكان عند إقترابه منه ليس لغرور لديه ، لكن طبقا لمقتضيات منصبه الرفيع ، ولأنه كان إنسانا نبيلا بمعنى الكلمه لايظلم أحدا إستجاب الله لإنكساره وشفى إبنه ، فأدركت أن ذلك كان إختبارا قاسيا حتى لايأخذه صولجان المنصب إلى غير رجعه مع رب العالمين سبحانه .

أيها الإنسان إنتبه ماأضعفك حتى ولو كنت صاحب منصب رفيع ، أو إمتلكت المال الوفير وتعيش في نعيم ، أو تحكمت فى البشر ومستقبل الناس ، وأرزاقهم ، بالمنع والمنح ، إنتبه .. نحن أنفاس تخرج وقد لاتعود أذكرك وأذكر نفسى ، لذا أتعجب مما نحن فيه من غفله جعلت الإنسان يظلم أخاه الإنسان ، ويتفنن فى قهره والإستمتاع بإذلاله ، وجعلت صاحب المنصب ينسى حتى نفسه ويتجبر على خلق الله ، على أية حال يكون الشكر لرب العالمين سبحانه أن حبانا قلوبا تنتفض تأثرا بمريض يستنجد أهله فى جوف الليل ، ويركن إلى ركن ركين حيث يرسل للجسد الذى أرهقه العطاء من يطبطب عليه بكلماته التى تحرك الوجدان ، وتنزل على الجسد بردا وسلاما فيتلاشى التعب .

الكاتب الصحفى محمود الشاذلى نائب رئيس تحرير جريدة الجمهوريه عضو مجلس النواب السابق .

موضوعات متعلقة