بوابة الدولة
الثلاثاء 19 مايو 2026 05:49 مـ 2 ذو الحجة 1447 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية
شباب الشرقية تنفيذ٦فعاليات شبابية ندوات تدريبية لتمكين ٥٠ فتاة عمرو فهمي لوزير الرياضة: مراكز شباب تحولت إلى قهاوي بلدي وشيشة الدكتور المنشاوي يفتتح فعاليات الاحتفال باليوم العالمي لالتهابات الأمعاء المناعية (IBD DAY) السجن المؤبد لصاحب واقعة خطف فتاة من ذوى الهمم والتعدى عليها جنسيأ بالبحيرة وزير البترول والثروة المعدنية يشهد توقيع اتفاقية جديدة للتوسع في البحث والإنتاج بمنطقة بدرالدين بالصحراء الغربية وزير الشباب يدافع عن الوزراء الغائبين فى مواجهة انتقادات النواب محافظ القاهرة يستقبل بمكتبه وفد البنك الزراعى المصرى لبحث سبل التعاون بين الجانبين رئيس رياضة النواب: تعيين العاملين بمحاضر مجالس الإدارات بمراكز الشباب قضية استقرار مجتمعي وليست مطالب فئوية سياحة النواب تفتح ملف دعم شركات الطيران منخفض التكاليف.. وسحر طلعت تطالب بخطة للمطارات الجديدة الكاتب الصحفي جهاد عبد المنعم يكتب : مطاردة عقارية!!! يت الزكاة والصدقات يبدأ توزيع لحوم الصدقات على 50 ألف أسرة مستحِقة بصعيد مصر البابا تواضروس الثانى يلتقى كهنة الرعاية الاجتماعية بالمقر الباباوى بالعباسية

الكاتب الصحفي جهاد عبد المنعم يكتب : مطاردة عقارية!!!

مهما كانت طبيعة عملك واينما كنت لن تنجو أبدا من مطاردات شركات التسويق العقاري واصبح من المألوف جدا ان يتلقي المواطن المصري في المتوسط 7 مكالمات يوميا او اكثر او اقل فحواها عروض وفرص لشراء فيلا او شقة او ارض وحتي لو اغلقت الهاتف في وجه من تكلمك او يكلمك لن تجد مفرا من تلقي مكالمات جديدة ولذلك لم يعد جرس التلفون بالنسبة لكثير من المواطنين مجرد اتصال عابر بل صار في أحيان كثيرة مقدمة لمكالمة متوقعة تبدأ بجملة مألوفة مكررة مقرفة حضرتك مهتم بعقار في العاصمة الإدارية او في التجمع او في زايد او في الساحل أو عندنا ليك عرض حصري في التجمع والساحل والقسط يبدأ من كذا واول قسط بعد شهر

مكالمات اصبحت مزعجه جدا قد تأتي في وقت العمل أو أثناء القيادة أو في اجتماع مهم أو حتى في وقت الراحة والغداء لتعيد طرح سؤال أكبر من مجرد الإزعاج

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح. هو من أين حصلت شركات التسويق العقاري على أرقام الناس؟ وهل صار رقم الهاتف سلعة متاحة في سوق البيع والشراء؟

التسويق العقاري في الأصل نشاط مشروع مهم بل ضروري في سوق ضخم يعتمد على الإعلان والترويج والمعارض والمنصات الرقمية ومراكز الاتصال فالشركات تحتاج إلى الوصول إلى عملاء محتملين والمواطن قد يبحث فعلا عن وحدة سكنية أو استثمار عقاري

لكن الأزمة تبدأ عندما يتحول التسويق من وسيلة تعريف بالخدمة إلى مطاردة يومية اتصال وراء اتصال من أرقام مختلفة وبأسلوب لا يمنح المواطن حق الرفض الحقيقي أو الخروج النهائي من قوائم الاتصال

المشكلة لا تقف عند حدود مكالمة مزعجة لان الحكاية نفسها تفتح بابا أكثر حساسية وتساؤلات أكثر ازعاجا كيف وصلت بيانات المواطن إلى جهة لم يتعامل معها؟ وهل سجل رقمه في معرض عقاري سابق؟ هل ملأ استمارة إلكترونية دون أن ينتبه لشروط مشاركة البيانات؟ أم أن هناك سوقا خفية لقواعد بيانات العملاء تنتقل بين شركات وسماسرة ووسطاء دون علم أصحابها؟ هنا يتحول الأمر من تسويق عقاري إلى قضية خصوصية ومن عرض تجاري إلى اقتحام مباشر لمساحة شخصية يفترض أنها محمية.

كثير من المواطنين لا يعترضون على الإعلان في حد ذاته بل على طريقة الوصول إليهم. فالفارق كبير بين أن يرى الشخص اعلانات على موقع إلكتروني أو منصة تواصل اجتماعي، وبين أن يتلقى اتصالا مباشرا على هاتفه الشخصي من جهة لا يعرفها.

الإعلان يمكن تجاهله أما الاتصال فيخترق اليوم ويطلب ردا فوريا . والأسوأ أن رفض المواطن احيانا لا ينهي القصة؛ فقد يطلب عدم الاتصال مرة أخرى، ثم يتلقى مكالمة مشابهة من رقم آخر أو شركة وسيطة أخرى.

هذه الممارسات تضر ايضا بصورة السوق العقاري نفسه. فالعميل الذي يشعر أن خصوصيته انتهكت قد يفقد الثقة في الشركة قبل أن يسمع تفاصيل المشروع. وقد يتحول الإلحاح التسويقي من أداة جذب إلى سبب نفور. وفي سوق يقوم بالأساس على الثقة، لا يكفي أن تمتلك الشركة مشروعا جيدا أو خطة تقسيط جذابة، إذا كان أول تواصل بينها وبين العميل مبنيا على الإزعاج أو استخدام بيانات لا يعرف مصدرها.

أمام هذه الفوضى، دخل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات على خط الأزمة، باعتباره الجهة المسؤولة عن تنظيم سوق الاتصالات وحماية حقوق المستخدمين. وقد أقر الجهاز قواعد لتنظيم استخدام خطوط المحمول في إجراء المكالمات الترويجية والتجارية، بحيث يتم تسجيل بيانات القائمين بهذه المكالمات لدى شركات المحمول، مع إتاحة ظهور اسم الجهة المتصلة أو تحذير مسبق للمستخدم بأن المكالمة الواردة ترويجية، من خلال خدمة مثل NTRA Alert، بما يمنح المواطن حرية الرد أو التجاهل.

ولم تقف الإجراءات عند حد التنبيه أو التنظيم النظري. ففي مايو 2025 أعلن الجهاز حزمة إجراءات جديدة لمواجهة المكالمات الإزعاجية، تضمنت وقف عمل أي جهاز هاتف يستخدم خطًا غير مسجل بخدمة المكالمات الترويجية أكثر من مرة في إجراء مكالمات مزعجة على جميع الشبكات، مع إمكانية غلق الجهاز نهائيًا ومنعه من العمل على أي شبكة داخل مصر في حال تكرار التحايل باستخدام خطوط جديدة غير مسجلة.

وتكشف هذه الإجراءات أن الجهاز لم يتعامل مع المكالمات التسويقية المخالفة باعتبارها مشكلة بسيطة أو شكوى فردية، بل باعتبارها نمطا من سوء استخدام خدمات الاتصالات. فالخطورة هنا ليست في مكالمة واحدة، وإنما في منظومة كاملة قد تستخدم أرقاما متعددة وأجهزة متكررة وقواعد بيانات غير واضحة المصدر للوصول إلى أكبر عدد ممكن من المواطنين دون احترام حقهم في الخصوصية أو الرفض.

ومن أبرز النماذج التي أظهرت جدية التحرك الرسمي، ما أعلنه الجهاز في أكتوبر 2024 إذ بدأ اتخاذ الإجراءات القانونية وإحالت شركات للنيابة بسبب إجراء مكالمات ترويجية بالمخالفة للقانون والإجراءات التنظيمية بعد ورود شكاوى من مواطنين تضرروا من تلقي مكالمات ترويجية متزايدة. وأكد الجهاز حينها أن هذه الأفعال مجرمة وفق المادة 76 من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، والمادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

وبعد ذلك، وافق الجهاز على التصالح مع الشركات بعد توفيق أوضاعها، مع توقيع غرامة قدرها 20 مليون جنيه، بحسب ما نشرته وسائل إعلام محلية نقلًا عن قرار الجهاز. وأكد الجهاز أن الهدف من هذه الإجراءات ليس تعطيل الشركات، بل تنظيم الخدمة بما يحمي خصوصية المواطنين، وفي الوقت نفسه يحافظ على بيئة استثمارية مستقرة ومتوازنة.

لكن السؤال الأهم يبقى: هل تكفي العقوبات وحدها؟ الإجابة تحتاج إلى ما هو أوسع من الغرامة. فالمشكلة الحقيقية تبدأ من لحظة جمع الرقم، لا من لحظة الاتصال فقط. لذلك فإن ضبط السوق يتطلب إلزام الشركات بسياسات واضحة للحصول على موافقة صريحة من العميل قبل التواصل معه، وتمكينه من حذف رقمه بسهولة من قواعد الاتصال، ومنع تداول البيانات بين الشركات والوسطاء دون إذن واضح. كما يتطلب الأمر رقابة على شركات التسويق العقاري الخارجي، وليس فقط المطورين الكبار لأن جزءا كبيرا من المكالمات يأتي احيانا من وسطاء ومراكز اتصال تعمل لحساب أكثر من مشروع.

ومن جانب المواطن، لا ينبغي التعامل مع هذه المكالمات كقدر يومي لا مفر منه. فالإبلاغ عن الأرقام المزعجة أصبح جزءا من آلية الضغط لضبط السوق. ويتيح الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات تطبيق My NTRA كإحدى القنوات الرقمية التي تقدم خدمات تفاعلية للمستخدمين، منها تقديم الشكاوى ومتابعة خدمات الاتصالات. كما يظل مركز الاتصال المختصر 155 من القنوات المعروفة للتواصل مع الجهاز بشأن شكاوى خدمات الاتصالات.

القضية إذن ليست حربا على التسويق العقاري، ولا دعوة لإغلاق قنوات البيع، لكنها مطالبة بحد أدنى من الاحترام. من حق الشركة أن تعلن، ومن حقها أن تبحث عن عميل، لكن ليس من حقها أن تتعامل مع رقم الهاتف كأنه ملكية عامة. ومن حق المواطن أن يعرف من يتصل به، ولماذا، وكيف حصل على رقمه، وأن يقول “لا” مرة واحدة فتكون كافية.

في النهاية، تقف سوق العقارات أمام اختبار مهم: هل تستطيع أن تنتقل من التسويق الصاخب إلى التسويق الذكي؟ من مطاردة العميل إلى احترام اختياره؟ ومن شراء قواعد البيانات إلى بناء علاقة ثقة حقيقية؟ فالهاتف لم يعد مجرد وسيلة اتصال، بل مساحة شخصية. ومن يقتحم هذه المساحة بلا إذن، لا يبيع عقارا. فقط، بل يهدم أول أساس في أي صفقة ناجحة: الثقة.

موضوعات متعلقة



3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq