الكاتب الصحفي صالح شلبي يكتب: طعنة الزمالة لا تنسى
هناك معارك يخسر فيها الإنسان منصبا ويكسب احترام الناس، وهناك معارك يكسب فيها منصبا ويخسر نفسه إلى الأبد، ومن أسوأ ما يمكن أن يواجهه الإنسان في حياته العملية أن تأتيه الطعنة من زميل وقف بجانبة فى اشد الازمات وكان عوناً لة ،شاركه بعض سنوات العمل، وكان بينهما عيش وملح، ثم يكتشف أن هذا الزميل اختار طريق الوشاية، والطعن في النيات، والضرب تحت الحزام، ظنا منه أنة بذلك يحقق ما يصبو إليه.
الزمالة ليست مجرد وجود أشخاص داخل مؤسسة واحدة، وإنما هي ميثاق شرف يقوم على الاحترام والوفاء والتقدير، ومن يختلف مع زميله يكون بشرف لا الطعن فى النيات، أما أن تتحول المنافسة إلى مؤامرة، وأن يصبح الكذب وسيلة، والوشاية سلاحا، والطعن في النيات منهجا، فهذه ليست أخلاق رجال، وإنما سلوك يكشف عن معدن رخيص لا يعرف قيمة الأمانة.
والحقيقة التي لا خلاف عليها أن من يطعن زميله اليوم، سيطعن غيره غدا، لأن الخيانة ليست موقفا عابرا، وإنما طبع إذا تمكن من صاحبه أصبح أسلوب حياة فـ الذي باع زميلا وقف إلى جواره، وقدر ظروفه، ولم يتخل عنه يوما، لن يتردد في بيع غيره عندما تتغير المصالح، ولذلك فإن الحذر من هذه الشخصيات واجب، لأنهم لا يؤمن جانبهم، ولا يطمئن إليهم أحد.
إن الواشي ومن يتهم الناس في نياتهم هو أخطر شخص يمكن أن تتعامل معه، لأنه لا يعرف قيمة الأمانة، ولا يحترم حرمة الكلمة، ومن يختلق القصص، وينقل الكلام بقصد الإفساد، ويشوه النيات التى يقوم بها زملائة لتحقيق منفعة شخصية، لن يحظى بثقة أحد مهما حاول إخفاء حقيقته، خاصة وإن الثقة إذا سقطت لا تعود بسهولة، ومن عرف بين الناس بأنه واش أو نمام أو متهم للنيات أصبح الجميع يتعامل معه بحذر، ويحسبون لكل كلمة يقولها ألف حساب، لأنه قد يبيع أقرب الناس إليه إذا وجد في ذلك مصلحة.أو منفعة مثل هذة الاشخاص لا تؤتمن على سر، ولا على زمالة، ولا على مودة، لأن طبعها يغلبها كلما سنحت لها الفرصة،والتاريخ يؤكد أن أصحاب الوشايات انتهوا معزولين، فقدوا احترام الناس قبل أن يفقدوا مناصبهم، وأصبحوا مثلا سيئا يتجنبه الجميع.
وليس التاريخ بحاجة إلى كثير من البحث ليؤكد أن أصحاب الوشايات الذين اتهموا الناس في نياتهم، وسعوا للإيقاع بزملائهم، ذهبوا جميعا، وسقطوا من أعين الناس، وأصبحوا جزءا من الماضي، ولم يبق منهم إلا الذكر السيئ، بعد إن ظنوا أن مكائدهم ستدوم، وأن الحقائق ستغيب، لكنهم نسوا سنة الله التي لا تتبدل، قال تعالى: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾،فدارت عليهم الدوائر، وانكشفوا أمام الجميع، وعاشوا مرارة ما صنعته أيديهم، لأن الله يمهل ولا يهمل، وعدله لا يغيب، وحقوق المظلومين محفوظة عنده سبحانه.
ولأن الأديان جميعها جاءت لترسيخ مكارم الأخلاق، فقد أكد فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، في العديد من كلماته ومواقفه أن حفظ الأعراض، وصيانة اللسان، واجتناب الغيبة والنميمة والبهتان، من أعظم القيم التي جاء بها الإسلام، وأن المجتمع لا يستقر إلا إذا سادت فيه الثقة والصدق والعدل.
وعلى النهج نفسه، يدعو قداسة البابا تواضروس الثاني دائما إلى المحبة والتسامح واحترام الإنسان، ويرى أن الكلمة الطيبة تبني النفوس، بينما الكلمة الخبيثة تهدم العلاقات، وأن نشر الشائعات والوشاية بين الناس يناقض رسالة المحبة التي دعت إليها الأديان، ويزرع الكراهية بدلا من المودة.
وكان الشيخ محمد متولي الشعراوي يذكر الناس دائما بأن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأن النيات يعلمها الله وحده، فلا يجوز لأحد أن ينصب نفسه قاضيا على قلوب الناس، أو يتهمهم بغير بينة، لأن الظلم والافتراء من أعظم أسباب الهلاك، ولأن الله يمهل الظالم، لكنه لا يهمله.
أما الدكتور مصطفى محمود فقد رسخ في كتاباته أن الأخلاق هي رأس مال الإنسان الحقيقي، وأن النجاح الذي يقوم على الغدر والكذب لا يدوم، وأن الإنسان قد يخدع الناس بعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يخدع ضميره، ولا أن يهرب من حساب الله.
ويأتي الكاتب الصحفى الكبير أنيس منصور ليؤكد أن الإنسان يعرف في المواقف الصعبة، لا في أوقات المجاملات، وأن الشدائد تكشف معادن البشر، فمنهم من يزداد شهامة ووفاء، ومنهم من يسقط في أول اختبار للأمانة.
ولذلك لم يكن غريبا أن يجعل الإسلام النميمة والوشاية من كبائر الذنوب لما يترتب عليهما من ظلم وقطيعة وإفساد بين الناس، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة قتات"، والقتات هو النمام الذي ينقل الكلام بقصد الإفساد وإشعال العداوة بين الناس.
ويروى عن الإمام مالك بن أنس رحمه الله أنه عندما قيل له إن من ظلمه قد نزل به العقاب، قال: "إنا نؤمل من ثواب الله ما هو أعظم من ذلك، ونؤمل له من عذاب الله ما هو أشد من ذلك". إنها كلمات تعلمنا ألا تكون الشماتة خلقا للمؤمن، وأن عدالة الله كفيلة برد الحقوق إلى أصحابها في الوقت الذي يريده سبحانه.
إن المؤسسات لا يهدمها ضعف الإمكانات، وإنما يهدمها أصحاب الوشايات، وباعة الأسرار، وصناع الفتن، ومن اعتادوا الضرب تحت الحزام.
هؤلاء ربما يحققون أهدافهم، لكنهم يخسرون أغلى ما يملكه الإنسان، وهو احترام الناس وثقتهم، فالمنصب قد يذهب، والمال قد يفنى، أما السمعة فتبقى، إما شاهدة لصاحبها أو شاهدة عليه.
وفي النهاية أقول لكل من اختار طريق الوشاية والطعن في النيات، راجع نفسك قبل أن يأتي يوم لا تجد فيه من يصدقك أو يثق بك.
التاريخ لا يخلد أصحاب المؤامرات، وإنما يخلد أصحاب المواقف النبيلة،ومن حافظ على شرف الزمالة بقي اسمه محترما، ومن خان الأمانة عاش مطاردا بسوء سيرته، فاحفظ لسانك، وصن قلبك، ولا تجعل طموحك قائما على الوشاية والنميمة ، لأن الأيام دول، والحق لا يموت، والله سبحانه هو الحكم العدل الذي لا تضيع عنده المظالم.
وفي النهاية، لا أملك إلا أن أقدم خالص العزاء لهؤلاء الذين باعوا ضمائرهم بثمن بخس، وظنوا أن الوشاية طريق إلى المجد. نعزيهم في خسارتهم لأغلى ما يملكه الإنسان، وهو احترام الناس وثقتهم، ونسأل الله أن يردهم إلى الحق قبل أن يطويهم النسيان، فالتاريخ لا يرحم، ولا يخلد إلا أصحاب المواقف الشريفة.
كاتب المقال الكاتب الصحفى صالح شلبى رئيس مجلس ادارة ورئيس تحرير موقع بوابة الدولة الاخبارية ونائب رئيس شعبة المحررين البرلمانيين























