بوابة الدولة
الأحد 5 يوليو 2026 01:49 صـ 18 محرّم 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

د. صبرى موسى يكتب :الجامعات التكنولوجية والمجالس الاستشارية .. شراكة لصناعة المستقبل

د. صبرى موسى
د. صبرى موسى

تمثل الجامعات التكنولوجية أحد أهم مسارات الإصلاح التعليمي التي تبنتها مصر لسد الفجوة التاريخية بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. غير أن نجاح هذا النموذج لا يتحقق بمعزل عن آلية تربط الجامعة بالواقع الصناعي المتغير، وهنا يبرز دور المجالس الاستشارية الصناعية بوصفها العمود الفقري لهذه الشراكة.
الأهمية التربوية والتعليمية
تُسهم المجالس الاستشارية الصناعية في إعادة تشكيل الفلسفة التعليمية للجامعات التكنولوجية، إذ تنتقل بها من نموذج العرض الأكاديمي التقليدي القائم على ما تراه الجامعة مناسبًا، إلى نموذج الطلب القائم على ما تحتاجه المنشآت الصناعية فعليًا. فحضور ممثلين عن الصناعة في صياغة المقررات، ومراجعة مخرجات التعلم، يضمن اتساق البرامج الأكاديمية مع أحدث المعايير المهنية، ويحقق مبدأ التعليم القائم على الكفايات الذي يُعد ركيزة القانون رقم 72 لسنة 2019.
البعد الصناعي والتوظيفي
من أبرز أدوار هذه المجالس تحديد الاحتياجات الفعلية لسوق العمل من التخصصات والمهارات، وترشيح البرامج الجديدة التي ينبغي استحداثها استجابة لتطورات القطاع الصناعي، سواء في التصنيع الذكي أو الطاقة المتجددة أو التحول الرقمي. كما تفتح هذه المجالس قنوات مباشرة لتوفير أماكن التدريب الميداني للطلاب داخل المصانع والشركات، وهو ما يمنحهم خبرة عملية حقيقية قبل التخرج، ويرفع من جاهزيتهم للانخراط في سوق العمل فور حصولهم على المؤهل. وتمتد هذه الشراكة كذلك إلى تصميم برامج توظيف مباشرة، من خلال اتفاقيات تشغيل أو تدريب منتهٍ بالتعيين، تربط الخريج بفرصة عمل فعلية بدلًا من ترك هذا الأمر للصدفة أو المجهود الفردي.
البعد الاقتصادي والاجتماعي
اقتصاديًا، تُقلل هذه المجالس من الفاقد التعليمي الناتج عن تخريج كفاءات لا يحتاجها السوق، وهو فاقد يتحمل المجتمع كلفته المزدوجة: كلفة تعليم غير موظَّف، وكلفة بطالة متعلمة. أما اجتماعيًا، فإن ربط التعليم بالتوظيف يعيد الثقة إلى العائلات والطلاب في جدوى التعليم التكنولوجي، ويكسر الصورة النمطية التي تضع التعليم الفني والتكنولوجي في مرتبة أدنى من التعليم الجامعي التقليدي.
البعد التكنولوجي والتدريبي
تكنولوجيًا، تضمن هذه المجالس مواكبة الجامعات لأحدث الأدوات والتقنيات المستخدمة صناعيًا، بدلًا من الاعتماد على معدات ومناهج قد تتجاوزها الصناعة بسنوات. كما تُسهم في تصميم برامج تدريبية قصيرة ومكثفة، موازية للبرنامج الأكاديمي، تستهدف مهارات بعينها يطلبها سوق العمل بشكل عاجل، وهو ما يمنح الجامعة مرونة تستجيب بها لتغيرات السوق دون الحاجة لتعديل هيكلي كامل في المناهج.
نحو نموذج مؤسسي راسخ
لتحقيق الاستفادة القصوى، ينبغي ألا تكون هذه المجالس شكلية أو موسمية، بل مؤسسات دائمة ذات صلاحيات حقيقية في اعتماد المناهج، وتقييم أداء الخريجين بعد التوظيف، وتقديم تغذية راجعة دورية للجامعة. كما يُستحسن أن تضم تمثيلًا متوازنًا من كبرى الشركات ومتوسطي الأعمال، لضمان تنوع الاحتياجات المطروحة.
كلمة أخيرة:
إن الجامعة التكنولوجية بلا مجلس استشاري صناعي فاعل تظل جزيرة معزولة عن الواقع الذي تُعِدُّ خريجيها لخدمته.
وفي النهاية تتلخص الفكرة في أن: المجالس الاستشارية الصناعية ليست ترفًا إداريًا، بل شرط أساسي لتحويل الجامعات التكنولوجية من مؤسسات تُخرِّج شهادات إلى مؤسسات تُخرِّج كفاءات مطلوبة فعليًا في سوق العمل.

موضوعات متعلقة