بوابة الدولة
الإثنين 17 أغسطس 2026 09:56 مـ 3 ربيع أول 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفي صالح شلبي يكتب: مشروع أمينة.. من يراقب أموال المصريين قبل وقوع الكارثة؟

الكاتب الصحفى صالح شلبى
الكاتب الصحفى صالح شلبى

هناك قضايا لا يجوز أن تنتظر حتى تتحول إلى كارثة ، وحتى تتحرك الدولة، وهناك إعلانات يجب أن تضع أمامها الأجهزة الرقابية ألف علامة استفهام قبل أن يصل المواطن إلى مرحلة يضع فيها مدخراته وأمواله تحت إغراء الأرباح السريعة والعوائد التي يتم الترويج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومن هنا يأتي السؤال الكبير حول ما يعرف باسم «مشروع أمينة» والانتشار اللافت للإعلانات الخاصة به.

ما يثير القلق ليس مجرد ظهور إعلان على منصة من منصات التواصل الاجتماعي، وإنما الانتشار الواسع للإعلانات الممولة التي تصل إلى المواطنين بصورة متكررة، وتقدم المشروع في صورة فرصة لتحقيق عوائد وأرباح، بما يجعل من الضروري أن تتحرك الجهات المختصة للتحقق من حقيقة هذا النشاط، ومن يقف وراءه، وما إذا كان حاصلا على التراخيص القانونية اللازمة لممارسة أي نشاط يتعلق بجمع أو استثمار أموال المواطنين.

والأخطر من ذلك أن الترويج لمثل هذه المشروعات لا يتوقف عند إعلان عادي، وإنما قد يستعين بشخصيات عامة ومشاهير، وقد ظهر بالفعل إعلان يتحدث فيه ممثل ومطرب شهير عن انضمامه إلى مشروع أمينة، وهو أمر يستحق التوقف أمامه، لأن ظهور شخصية فنية معروفة قد يمنح المواطن البسيط شعورا زائفا بالأمان والثقة، ويدفعه إلى الاعتقاد بأن المشروع خضع بالفعل للفحص والرقابة قبل أن يتم الترويج له.

وهنا أطرح السؤال بكل صراحة أمام الحكومة، هل شاهد أحد من المسؤولين هذا الإعلان؟ وهل شاهده أحد الوزراء أو المسؤولين وأفراد أسرهم أثناء استخدامهم لمواقع التواصل الاجتماعي؟ وهل وصلت هذه الإعلانات إلى الأجهزة الرقابية المعنية بحماية أموال المواطنين؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فماذا تم اتخاذه من إجراءات للتحقق من حقيقة المشروع؟ وإذا كانت الإجابة لا، فكيف تمكن إعلان ممول ينتشر على نطاق واسع من الوصول إلى أعداد كبيرة من المواطنين دون أن يلفت انتباه الجهات التي يفترض أنها تراقب وتحمي؟

لا نقول إن «مشروع أمينة» عملية نصب أو احتيال، ولا نملك أن نصدر حكما على مشروع أو أشخاص دون تحقيق رسمي، ولكننا نطالب الدولة بأن تقوم بدورها الطبيعي في الفحص والتحقق والكشف للرأي العام عن الحقيقة، لأن الوقاية هنا أفضل ألف مرة من أن تتحرك الأجهزة بعد وقوع الضرر وظهور مواطنين يعلنون ضياع أموالهم ومدخراتهم.

والسؤال الأكثر إلحاحا، هل المشروع مرخص قانونا؟ ومن هي الشركة أو الجهة التي تقف وراءه؟ وهل يسمح لها بجمع أموال المواطنين؟ وما طبيعة العائد الذي يتم الإعلان عنه؟ وكيف يتم تحقيق الأرباح؟ وأين تودع أموال المواطنين؟ وتحت أي رقابة مالية أو مصرفية تعمل هذه الأموال؟ هذه أسئلة بسيطة ومشروعة، والإجابة عنها لا تحتاج إلى حملات إعلامية، وإنما تحتاج إلى بيان رسمي واضح يطمئن المواطنين أو يحذرهم.

إن خطورة السوشيال ميديا أنها تستطيع أن تجعل الإعلان الواحد يصل خلال ساعات إلى أعداد هائلة من المواطنين، وأن تكرر الرسالة أمام الشخص عشرات المرات، حتى يعتقد أن كثرة ظهور الإعلان دليل على نجاح المشروع، بينما الحقيقة أن كثرة الإعلانات لا تعني مطلقا أن الجهة المعلنة قانونية أو أن الأموال التي يتم دفعها إليها مضمونة.

كما أن استخدام المشاهير في الإعلانات المالية يحتاج إلى ضوابط أكثر صرامة، لأن المواطن العادي قد لا يستطيع مراجعة سجل الشركة أو التحقق من تراخيصها، لكنه يستطيع أن يرى فنانا يحبه أو مطربا شهيرا يعلن عن انضمامه إلى المشروع، فيعتبر ظهوره بمثابة شهادة ثقة، ولذلك يجب أن تكون هناك مسؤولية واضحة عن أي إعلان يتعلق بجمع الأموال أو تحقيق عوائد مالية.

وهنا نوجه رسالة واضحة إلى الأجهزة الرقابية، لا تنتظروا البلاغات بعد فوات الأوان، ولا تنتظروا أن يأتي المواطن ليقول إنه فقد أمواله، وإنما تحركوا الآن للتحقق من كل شيء، لأن مجرد وجود إعلان ممول واسع الانتشار يتحدث عن إيداع أموال وتحقيق أرباح يستحق الفحص والتدقيق قبل أن تتسع دائرة المتعاملين معه.

ونحن لا نطالب بمنع الاستثمار أو إغلاق الباب أمام أي مشروع جديد، بل نطالب بالعكس تماما، نريد الاستثمار القانوني والآمن الذي يخضع للرقابة، ونريد أن يعرف المواطن أين يضع أمواله، ومن المسؤول عنها، وما حقوقه إذا حدثت مشكلة، لأن حماية مدخرات المصريين مسؤولية لا تحتمل التأجيل أو التجاهل.

أموال المصريين ليست لعبة، ومدخرات المواطن ليست مادة لإعلان ممول، وثقة الناس لا يجب أن تكون جسرا يعبر عليه أي شخص للوصول إلى جيوبهم.

وإذا كان «مشروع أمينة» قانونيا ومرخصا ويعمل وفقا للقواعد، فليخرج أصحابه بكل وضوح إلى الرأي العام ويعلنوا اسم الكيان القانوني والتراخيص وطبيعة النشاط والجهة الرقابية التي يخضعون لها، حتى تنتهي علامات الاستفهام.

أما إذا كان هناك أي مخالفة أو نشاط غير مرخص، فهنا يجب أن يكون التحرك حاسما وسريعا، وأن يتم وقف المخالفة ومحاسبة المسؤولين عنها وإعلان الحقيقة للمواطنين، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نكتشف بعد شهور أن آلاف المواطنين وضعوا مدخراتهم في مشروع لم يكن واضحا منذ البداية من يقف وراءه وكيف يعمل.

الحكومة مطالبة اليوم بالإجابة، والأجهزة الرقابية مطالبة بالتحرك، والمواطن مطالب بألا يضع جنيها واحدا قبل أن يعرف الحقيقة كاملة.

المسألة لم تعد مجرد إعلان يظهر على شاشة هاتف، وإنما أصبحت قضية تتعلق بالثقة والأموال ومدخرات المواطنين، وكل يوم يمر دون توضيح رسمي قد يوسع دائرة المخاطر إذا ثبت لاحقا وجود مخالفات.

لقد دق ناقوس الخطر، وما نطلبه ليس اتهاما ولا تشهيرا بأحد، وإنما تحقيق عاجل وشفاف يضع النقاط فوق الحروف، لأن الدولة القوية ليست التي تتحرك بعد وقوع الكارثة، وإنما التي ترى بوادر الخطر فتتدخل قبل أن يتحول التحذير إلى ضحايا،فهل تتحرك الحكومة والأجهزة الرقابية الآن؟ أم ننتظر حتى يضيع المال، ثم نبدأ في البحث عن المسؤول؟

كاتب المقال الكاتب الصحفى صالح شلبى رئيس مجلس ادارة ورئيس تحرير موقع بوابة الدولة الاخبارية