المستشار محمد سليم يكتب : إيطاليا ترفض “بجاحة” أمريكية في أجوائها
لم تعد الانتقادات الموجهة للسياسات العسكرية الأمريكية تقتصر على خصوم واشنطن، بل باتت تصدر حتى من داخل معسكر حلفائها، بعد الواقعة التي كشفت عنها تقارير أوروبية بشأن تحليق طائرات عسكرية أمريكية في نطاق العمليات الجوية الإيطالية قبل استكمال الإجراءات الرسمية اللازمة لاستخدام قواعدها العسكرية.
فقد فوجئت السلطات الإيطالية بوجود طائرات أمريكية في الأجواء ضمن مسار عملياتي متجه إلى الشرق الأوسط، في وقت لم تكن فيه الموافقات الحكومية المطلوبة قد صدرت بعد، ما دفع وزارة الدفاع في روما إلى التدخل سريعًا ورفض استخدام قاعدة سيجونيلا الجوية في جزيرة صقلية، باعتبار أن الطلب الأمريكي لم يستوفِ المسار القانوني المتبع بين البلدين.
التحرك الإيطالي لم يكن مجرد إجراء إداري، بل رسالة سياسية واضحة بأن سيادة الدول لا يمكن تجاوزها حتى في ظل التحالفات العسكرية، وأن القواعد العسكرية المشتركة لا تعني إطلاقًا منح ضوء أخضر مفتوح لاستخدام الأراضي أو الأجواء دون تنسيق مسبق.
وزير الدفاع الإيطالي جويدو كروسيتو شدد على أن بلاده ملتزمة بالتعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة في إطار حلف الناتو، لكنها لن تسمح باستخدام قواعدها في عمليات قتالية دون موافقة رسمية مسبقة، مؤكدًا أن الدستور والقوانين الإيطالية تفرض قيودًا واضحة على أي نشاط عسكري أجنبي على أراضيها.
وفي سياق يعكس اتساع دائرة التحفظ الأوروبي، أعلنت إسبانيا بدورها رفضها السماح باستخدام قواعدها أو مجالها الجوي في أي عمليات مرتبطة بالتصعيد العسكري في الشرق الأوسط، معتبرة أن الانخراط في مثل هذه التحركات دون غطاء قانوني دولي واضح قد يضع مدريد في موقف قانوني وسياسي معقد.
تكشف هذه الواقعة عن تحول ملحوظ في طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين، حيث لم يعد الدعم العسكري أو اللوجستي يُمنح بصورة تلقائية، بل أصبح خاضعًا لحسابات السيادة الوطنية والضغوط السياسية الداخلية، إلى جانب المخاوف المتزايدة من الانجرار إلى صراعات إقليمية معقدة.
كما تعكس الحادثة حساسية متزايدة داخل أوروبا تجاه استخدام أراضيها كمنصات لانطلاق عمليات عسكرية خارجية، خاصة في ظل تصاعد التوترات الدولية وتزايد الجدل القانوني حول شرعية بعض هذه العمليات.
في النهاية، لم تكن واقعة الطائرات الأمريكية في الأجواء الإيطالية مجرد حادث عابر، بل مؤشر على مرحلة جديدة من العلاقات داخل المعسكر الغربي، مرحلة باتت فيها الدول الأوروبية أكثر حرصًا على فرض سيادتها، وأقل استعدادًا لقبول التحركات العسكرية الأمريكية دون مراجعة أو موافقة صريحة.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالنقض









.jpeg)


