بوابة الدولة
الأربعاء 9 سبتمبر 2026 04:29 صـ 25 ربيع أول 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفي ممدوح عيد يكتب :الحقيقة التائهة في موضوع «أبلة صالحة»

الكاتب الصحفي ممدوح عيد
الكاتب الصحفي ممدوح عيد

ربما يكون من الخطأ أن نتعامل مع واقعة «أبلة صالحة» باعتبارها مجرد موقف جمع مديرة مدرسة بمحافظ القليوبية، ثم ننشغل بتفاصيل الحوار ومن كان أكثر إقناعًا.
الأهم أن نسأل: ماذا تكشف هذه الواقعة عن طريقة إدارة مدارسنا؟
عندما تضطر مديرة مدرسة إلى شرح احتياجات مدرستها أمام مسؤول خلال جولة مفاجئة، فهذه في حد ذاتها إشارة تستحق التوقف. وعندما يصل الخلاف إلى هذا المستوى، فربما يكون الخلل أكبر من الأشخاص؛ خللًا في منظومة التواصل واتخاذ القرار وتحديد المسؤوليات.
المدرسة لا ينبغي أن تنتظر زيارة المحافظ حتى تظهر مشكلاتها، والمحافظ لا ينبغي أن يكتشف احتياجات مدرسة من خلال حديث مديرتها أمام الكاميرات.
هناك منظومة كاملة يفترض أن تعمل قبل ذلك.
مدير المدرسة يجب أن تكون لديه قناة واضحة يرفع من خلالها احتياجاته، وجهة محددة ترد عليه، وجدول زمني لتنفيذ ما يمكن تنفيذه، وآلية لمتابعة ما تعذر تنفيذه وأسبابه.
والمسؤول الأعلى يجب أن تصله المعلومات قبل أن يزور المدرسة، لا أن يبدأ في جمعها أثناء الجولة.
هذه هي النقطة التي أراها أهم من الواقعة نفسها.
الإدارة الحديثة لا تنتظر المشكلة حتى تراها؛ بل تبني نظامًا يجعل المشكلة معروفة قبل أن تكبر.
ولذلك، فإن إصلاح المنظومة لا يحتاج دائمًا إلى قرارات كبيرة. أحيانًا يبدأ بإجراءات بسيطة: حصر احتياجات كل مدرسة بصورة دورية، ترتيبها حسب الأولوية، تحديد المسؤول عن كل احتياج، ووضع موعد واضح للتنفيذ، ثم متابعة إلكترونية يمكن للمسؤول في أي مستوى أن يطلع عليها.
وبذلك يتحول السؤال من «لماذا لم تفعل المدرسة؟» إلى سؤال أكثر دقة: أين توقفت المشكلة داخل سلسلة المسؤولية؟
وهذا فارق جوهري.
إذا كان العجز في التمويل، يجب أن نعرف ذلك. وإذا كان في الإجراءات، يجب إصلاح الإجراءات. وإذا كان في الإدارة، يجب محاسبة المسؤول. وإذا كان الاحتياج قد تم توفيره ولم يتم استخدامه، فهنا أيضًا توجد مسؤولية.
أما أن تظل المسؤولية موزعة بين عدة مستويات، ثم نبحث عن شخص واحد نحمله كل المشكلة، فلن يؤدي ذلك إلى إصلاح حقيقي.
وما ينطبق على المدرسة ينطبق على كثير من مؤسساتنا.
نحن بحاجة إلى الانتقال من إدارة رد الفعل إلى إدارة الوقاية، ومن الاعتماد على اجتهاد الأشخاص إلى بناء إجراءات واضحة، ومن انتظار زيارة المسؤول إلى وجود نظام رقابي ومعلوماتي يعمل يوميًا.
وفي الوقت نفسه، يجب أن نعطي مدير المدرسة مساحة حقيقية للإدارة، مع محاسبته على النتائج. فلا يصح أن نطالبه بالمسؤولية الكاملة، بينما لا نمنحه الأدوات والصلاحيات اللازمة لأداء هذه المسؤولية.
هذه هي النقطة التي يجب أن نتعلمها من واقعة «أبلة صالحة».
ليس المطلوب أن نبحث عن مديرة نؤيدها أو مسؤول نختلف معه، وإنما أن نسأل أنفسنا: هل يمكن أن نصمم منظومة لا تجعل أي مدير مدرسة مضطرًا إلى شرح مشكلاته لأول مرة أمام مسؤول أثناء جولة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي.
لأن أفضل منظومة إدارية ليست التي تنتظر المسؤول القوي لحل المشكلة، وإنما التي تعمل بكفاءة حتى في غيابه.
المشكلة ليست في أبلة صالحة وحدها... ولا في المحافظ وحده.
المشكلة في منظومة يجب أن نعيد النظر في طريقة عملها.
كاتب المقال : الكاتب الصحفي ممدوح عيد مدير تحرير الجمهورية