الكاتب الصحفي ممدوح عيد يكتب :ما الذي يبقى بعد أن يغادر الإنسان مكتبه؟
دائمًا ما نسمع شكاوى من موظفين أو متعاملين من أسلوب هذا المسؤول أو طريقة تعامل ذلك المدير، وكأن الوصول إلى موقع المسؤولية يمنح صاحبه الحق في أن ينسى أنه، قبل كل شيء، إنسان يتعامل مع إنسان.
لكن في المقابل، هناك أشخاص يثبتون أن المسؤولية لا تتعارض مع الإنسانية، وأن الحزم لا يعني القسوة، وأن الالتزام بالقواعد لا يمنع الكلمة الطيبة، وأن النصيحة الصادقة قد تكون أحيانًا أبلغ من أي قرار.
هؤلاء هم الذين يتركون أثرًا طيبًا في نفوس من تعاملوا معهم.
قد تكون حازمًا في موقف يحتاج إلى الحزم، وقد ترفض طلبًا لأن اللوائح لا تسمح، وقد تصحح خطأً، أو توجه ملاحظة، أو تنصح شخصًا بما قد لا يرغب في سماعه… لكن الفارق الحقيقي يكون في الطريقة.
هل يشعر من أمامك أنك تتعامل معه باعتباره رقمًا في دفتر أو ملفًا على مكتب؟ أم يشعر أنك تراه إنسانًا له ظروفه ومشاعره وكرامته؟
هنا تحديدًا تظهر قيمة المسؤول.
فالمنصب قد يمنح صاحبه سلطة، لكنه لا يمنحه محبة الناس. والكرسي قد يفرض الاحترام بحكم الوظيفة، لكنه لا يستطيع أن يصنع التقدير الصادق.
التقدير الحقيقي يُبنى يومًا بعد يوم… بالمواقف، وبالصدق، وبالعدل، وبالقدرة على الجمع بين الحزم والرحمة، وبين تطبيق القانون ومراعاة الإنسان.
ومن النماذج التي تستحق التوقف أمامها السيدة أمل علي، مدير إدارة الجمعيات بمنطقة الموسكي.
لم تكن علاقتها بزملائها ومسؤولي الجمعيات المتعاملين معها قائمة على المجاملة أو التساهل في أداء العمل، بل كانت تعرف متى تكون حازمة، ومتى تكون رفيقة، ومتى تقدم النصيحة، ومتى تكتفي بأن تستمع.
وهذا هو الفارق.
فالإنسان لا يتذكر فقط القرار الذي اتخذته بحقه، وإنما يتذكر أيضًا الطريقة التي عاملته بها أثناء اتخاذ القرار.
ولعل أصدق دليل على ما تركته السيدة أمل من أثر أن زملاءها ومسؤولي الجمعيات الذين تعاملوا معها قرروا تكريمها عند بلوغها سن المعاش.
وهنا يصبح التكريم أكبر من مجرد حفل أو شهادة تقدير أو كلمات تقال في مناسبة.
إنه، في جوهره، رسالة تقول: لقد كنتِ حاضرة في حياتنا بما يكفي لأن نشعر بغيابك.
وهذه ربما تكون أجمل شهادة يمكن أن يحصل عليها أي إنسان بعد سنوات العمل.
فالمناصب تنتهي، والمكاتب تتغير، والملفات تنتقل من يد إلى أخرى، لكن ما يتركه الإنسان في قلوب الناس لا يخضع لقرار إداري.
قد ينسى الناس تفاصيل كثيرة مما أنجزته في وظيفتك، لكنهم نادرًا ما ينسون إنسانًا احترمهم، أو نصحهم بصدق، أو وقف إلى جوارهم، أو تعامل معهم بإنسانية في وقت كانوا في أمس الحاجة إليها.
وفي النهاية، لا قيمة حقيقية لمنصب لا يترك وراءه أثرًا طيبًا.
لأن السؤال الذي يبقى بعد أن يغادر المسؤول مكتبه ليس: كم قرارًا أصدر؟ ولا كم شخصًا كان يعمل تحت سلطته؟
وإنما السؤال الأهم:
كم إنسانًا خرج من عنده وهو يشعر أنه عومل بكرامة؟
هناك فقط… يبدأ النجاح الحقيقي.
كاتب المقال : الكاتب الصحفي ممدوح عيد مدير تحرير الجمهورية























