بوابة الدولة
الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 06:33 صـ 25 ربيع أول 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفى محمد طرابيه يكتب : قبل فوات الأوان.. حافظوا على المال العام!

الكاتب الصحفى محمد طرابيه
الكاتب الصحفى محمد طرابيه

في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطن المصري، وفي الوقت الذي تطالب فيه الدولة بترشيد الإنفاق وتوجيه كل جنيه من مواردها نحو البناء والتنمية وتحسين مستوى الخدمات، تبرز معلومات خطيرة تستوجب التحقق العاجل والشفاف من جانب الجهات الرقابية، خاصة ما يتردد بشأن حصول بعض مستشاري الوزراء والمحافظين ومديري مكاتبهم في عدد من الوزارات والهيئات الحكومية على مرتبات ومكافآت وحوافز شهرية ضخمة.

وأطالب الجهات الرقابية المختصة بفتح ملفات مستشاري الوزراء والمحافظين ومديري المكاتب بصورة عاجلة وشفافة، والتحقق من كل ما يثار بشأن حصول بعضهم على مبالغ تصل إلى مليوني وثلاثة ملايين جنيه شهريا، لأن مثل هذه الأرقام، إذا ثبتت صحتها، تستوجب الوقوف أمامها بكل جدية، ومعرفة الأساس القانوني للصرف وحجم العمل الذي يقابله هذا المقابل المالي الضخم.

فكيف يمكن تبرير صرف ملايين الجنيهات في شهر واحد لشخص واحد؟ وأي طبيعة عمل أو مسؤوليات استثنائية يمكن أن تبرر هذه الأرقام، في الوقت الذي يكافح فيه المواطن البسيط لتوفير احتياجات أسرته الأساسية، بينما يحصل الموظف والمعلم والطبيب والمهندس على دخول محدودة رغم ما يتحملونه من مسؤوليات وأعباء يومية؟

والقضية هنا ليست في أشخاص بعينهم، ولا تستهدف قطع أرزاق أحد، وإنما تتعلق في المقام الأول بالعدالة والشفافية وحماية المال العام، فهذه الأموال ليست ملكا لمسؤول أو وزير أو محافظ، وإنما هي أموال الشعب، ويتم تدبيرها من موارد الدولة والموازنة العامة، ومن ثم فإن كل جنيه يتم إنفاقه يجب أن يكون له سند قانوني واضح، وهدف محدد، وعائد حقيقي يمكن قياسه ومراجعته.

ومن حق المواطن أن يسأل بكل وضوح: لماذا هذا العدد من المستشارين؟ وما طبيعة المهام التي يقومون بها؟ وما حجم الإنجاز الذي تحقق على أيديهم؟ وهل تتناسب المكافآت والحوافز التي يحصلون عليها مع حجم الأعمال والمسؤوليات الفعلية؟ وهل توجد معايير موحدة للصرف، أم أن الأمر يختلف من وزارة إلى أخرى ومن هيئة إلى أخرى دون ضوابط واضحة؟

إن مكافحة الفساد وحماية المال العام لا تعني توجيه الاتهامات جزافا إلى أي شخص، وإنما تعني إخضاع كل أوجه الإنفاق العام للمراجعة والتدقيق، والتأكد من أن كل ما يتم صرفه يتم وفقا للقانون، ولذلك فإن فتح هذه الملفات لا يجب أن ينظر إليه باعتباره استهدافا لأحد، بل باعتباره ممارسة طبيعية لدور الأجهزة الرقابية في حماية موارد الدولة والحفاظ على حقوق المواطنين.

والأخطر من قيمة المبالغ نفسها هو ما قد تكشف عنه عمليات الفحص والمراجعة من وجود مخالفات مالية أو إدارية، فإذا ثبت بالفعل صرف أموال بالمخالفة للقانون أو دون سند صحيح، فلا ينبغي أن يتوقف الأمر عند مجرد رد الأموال، لأن رد المال حق للدولة وواجب على من حصل عليه دون وجه حق، لكنه لا يعفي من المسؤولية القانونية إذا كانت هناك جريمة أو مخالفة تستوجب المحاسبة.

فمن يثبت تعمده الاعتداء على المال العام أو الحصول عليه بالمخالفة للقانون يجب أن يخضع للمساءلة أمام الجهات المختصة، وأن تتم محاسبته وفقا للقانون، لأن الاكتفاء برد الأموال في الحالات التي تستوجب عقوبة قد يبعث برسالة خاطئة مفادها أن الاعتداء على المال العام يمكن تداركه بمجرد إعادة ما تم الحصول عليه، وهو أمر لا يمكن أن يكون مقبولا في دولة تحترم القانون.

إننا أمام اختبار حقيقي لهيبة الدولة وسيادة القانون، فالعدالة لا تكتمل إلا عندما تطبق القواعد على الجميع دون استثناء، ولا يمكن بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة إلا من خلال الشفافية والمحاسبة وإعلان الحقائق للرأي العام، خاصة عندما يتعلق الأمر بأموال المواطنين وموارد الدولة.

وهنا يأتي الدور الأصيل لـ الجهاز المركزي للمحاسبات وهيئة الرقابة الإدارية ووزارة المالية ومجلس النواب، فالمطلوب ليس مجرد تصريحات أو بيانات عامة، وإنما مراجعة حقيقية للدفاتر والمستندات وبنود الصرف، وفحص عقود المستشارين والمكافآت والحوافز التي يحصلون عليها، والتأكد من وجود سند قانوني لكل مبلغ يتم صرفه، ثم إعلان النتائج للرأي العام بكل وضوح.

كما آن الأوان لإعادة النظر في منظومة المستشارين داخل الجهاز الإداري للدولة، من خلال تقليص الأعداد إلى الحدود التي تفرضها الحاجة الفعلية، ووضع ضوابط واضحة للتعيين والاستعانة بالمستشارين، وتحديد حد أقصى عادل للمكافآت والأجور، وربط الحوافز والمكافآت بنتائج عمل حقيقية يمكن قياسها وتقييمها ومحاسبة المسؤول عنها.

إن ترشيد الإنفاق الحكومي لا يعني تجميد مؤسسات الدولة أو تعطيل العمل، وإنما يعني وقف أي إنفاق غير ضروري، وتوجيه موارد الدولة إلى المجالات التي تحقق أكبر فائدة للمواطن، خاصة الصحة والتعليم والخدمات والبنية الأساسية والحماية الاجتماعية، لأن كل جنيه يتم توفيره من الإنفاق غير الضروري يمكن أن يوجه إلى احتياج حقيقي من احتياجات المصريين.

وقبل فوات الأوان يجب أن نتحرك، لأن استمرار أي نزيف غير مبرر في المال العام لا يمثل مجرد مشكلة مالية، وإنما يضرب العدالة الاجتماعية في مقتل، ويزيد من شعور المواطن بأن هناك فجوة واسعة بين ما يتحمله هو من أعباء وبين ما يحصل عليه البعض من مزايا ومكافآت لا يعرف أسبابها ولا معايير تحديدها.

حافظوا على المال العام، فهو أمانة في أعناق كل مسؤول، وليس ملكا لأحد، والشعب من حقه أن يعرف أين تذهب أمواله وكيف يتم إنفاقها، ومن حقه أيضا أن يرى محاسبة عادلة لكل من يثبت تورطه في إهدارها أو الاستيلاء عليها أو استخدامها بالمخالفة للقانون.

قبل فوات الأوان.. افتحوا الملفات، راجعوا الحسابات، أعلنوا الحقائق، وطبقوا القانون على الجميع دون استثناء، فالدولة القوية ليست التي تخفي أخطاءها، وإنما التي تواجهها وتحاسب المسؤول عنها وتحافظ على أموال شعبها.

كاتب المقال الكاتب الصحفى محمد طرابية رئيس تحرير جريدة صوت الملايين

موضوعات متعلقة