الكاتب الصحفي عوض العدوي يكتب: قنابل موقوتة تهدد نقابة الصحفيين.. ولجنة القيد امام اختبار تاريخي
لم تعد قضية القيد في نقابة الصحفيين مجرد اجراء تنظيمي يقتصر على مراجعة الاوراق واستيفاء المستندات، بل اصبحت قضية ترتبط ارتباطا وثيقا بمستقبل المهنة، وبمصير اجيال كاملة من شباب يحلمون بالانتماء الى صاحبة الجلالة،فـــــ ليست كل استمارة قيد تعني اضافة عضو جديد الى النقابة، فبعضها قد يكون قنبلة موقوتة تنفجر بعد عام أو عامين على الاكثر في وجه المهنة، عندما يكتشف صاحبها انه كان يعمل داخل كيان هش لا يملك مقومات الاستمرار، ولا يستطيع توفير الحد الادنى من الحقوق المهنية والمالية للعاملين فيه، وعندها لا تكون الخسارة خسارة فرد فقط، بل خسارة للنقابة وللمهنة وللصحافة المصرية كلها.
البيان الاخير أمس الاحد الصادر عن مجلس نقابة الصحفيين، والذي تضمن تأجيل فتح باب القيد، لم يكن مجرد اعلان اداري، بل حمل رسالة واضحة بان هناك ازمة حقيقية تستوجب التوقف امامها بكل مسؤولية.، حيث اشار البيان الى وجود مؤسسات لا تسدد مستحقات النقابة، واخرى لا تلتزم بصرف رواتب الصحفيين بانتظام، وثالثة لا ترسل كشوف المتدربين، ورابعة تواجه نزاعات مع صحفيين،هنا نؤكد ان القضية لم تعد مجرد اجراءات شكلية، وانما اصبحت قضية تتعلق بحماية المهنة وصون كرامة الصحفي ومستقبل النقابة.
من هنا نؤكد إن لجنة القيد ليست لجنة عادية، بل هي خط الدفاع الاول عن المهنة، وهي البوابة التي تعبر منها الاجيال الجديدة الى بيت الصحفيين، ومن هنا أيضا ً تصبح مسؤوليتها مضاعفة، لان القرار الذي تتخذه اليوم لن يؤثر على كشف القيد الحالي فقط، بل سيرسم ملامح الصحافة المصرية لسنوات طويلة قادمة، فكل اسم يتم قيده يجب ان يكون امتدادا لمهنة عريقة، وليس ضحية لمؤسسة لا تملك من مقومات العمل سوى اسم على لافتة.
لسنا ضد احد، ولسنا في مواجهة مع شباب يحلمون بحمل رسالة الصحافة، بل ان ابواب المهنة يجب ان تظل مفتوحة امام كل موهبة حقيقية تستحق الفرصة،ولكن في المقابل، لا يجوز ان يفتح باب القيد دون ضوابط صارمة ومعايير واضحة وعادلة، لان ذلك لا يحمي الشباب، ولا يحافظ على مكانة النقابة، بل يضع مجلس النقابة في موقف بالغ الحرج، خاصة في ظل ما يتردد داخل الوسط الصحفي من تساؤلات وتاويلات يربطها البعض بالاستحقاقات الانتخابية.
من هنا نرى إن الطريق الوحيد لاغلاق باب هذه التاويلات هو تطبيق معايير ثابتة وشفافة على الجميع، بحيث يكون معيار القبول هو استحقاق المهنة فقط، بعيدا عن اي اعتبارات اخرى.
الشاب الذي يدخل عالم الصحافة يستحق ان يعمل داخل مؤسسة صحفية تمتلك هيكلا اداريا واضحا، وهيكلا وظيفيا مستقرا، وملاءة مالية تمكنها من الوفاء بالتزاماتها تجاه العاملين بها، وان توفر لهم التدريب والتاهيل والراتب العادل وبيئة عمل محترمة. اما ان يجد نفسه داخل مؤسسة لا تملك سوى اوراق رسمية، بينما تعجز عن الوفاء بحقوق العاملين فيها، فهذه ليست بداية لمستقبل مهني، بل بداية لازمة جديدة ستتحمل النقابة جزءا كبيرا من نتائجها.
لقد اثبتت التجارب السابقة ان بعض الكيانات كانت تنشط فقط مع اقتراب مواعيد القيد، ثم تتراجع بعد ذلك، او تدخل في ازمات مالية، او تتوقف عن العمل، ليصبح الصحفي هو الضحية الاولى، بعد ان يكون قد افنى سنوات من عمره في انتظار عضوية النقابة، وعندما تقع الازمة، يجد الجميع انفسهم امام واقع مؤلم يتمثل في صحفي يحمل عضوية النقابة، لكنه بلا مؤسسة حقيقية، وبلا دخل ثابت، وبلا مستقبل واضح.
ان المهنة اليوم لا تحتاج الى زيادة في الاعداد بقدر ما تحتاج الى جودة في الاختيار، فالقيمة الحقيقية لاي نقابة لا تقاس بعدد اعضائها، وانما تقاس بقوة مؤسساتهم، واستقرار اوضاعهم المهنية، وقدرتهم على ممارسة الصحافة في بيئة تحترم القانون وتحفظ الحقوق، ولهذا يصبح من الضروري ان تخضع المؤسسات الصحفية الراغبة في قيد العاملين بها لمراجعة دقيقة، تضمن وجود نشاط صحفي حقيقي، وهيكل اداري ومالي واضح، والتزام كامل بحقوق العاملين.
الصحافة المصرية اكبر من ان تختزل في كيانات هشة، واعرق من ان تتحول احلام شبابها الى وسيلة لتحقيق مصالح ضيقة، ولذلك فان حماية النقابة لا تبدأ من لحظة منح العضوية، وانما تبدأ من لجنة القيد، التي يقع على عاتقها الحفاظ على هيبة المهنة، وصون تاريخها، وضمان ان يظل الانتماء الى نقابة الصحفيين شرفا يستحقه من يعمل في مؤسسة صحفية حقيقية، وليس مجرد اجراء شكلي يمكن الحصول عليه دون استيفاء المقومات اللازمة.
المفارقة المؤلمة ان نقابة الصحفيين تجد نفسها في كثير من الاحيان تتحمل نتائج اخطاء لم تصنعها وحدها، لكنها تصبح في النهاية الجهة التي يوجه اليها الغضب، فـــ عندما تنهار مؤسسة صحفية هشة، او تتوقف عن صرف الرواتب، او تغلق ابوابها، او تعجز عن توفير الحد الادنى من حقوق العاملين بها، لا يذهب الصحفيون الى اصحاب تلك المؤسسات للمطالبة بحقوقهم فقط، بل يتجهون ايضا الى نقابتهم باعتبارها الملاذ الاخير، وهنا تتعرض النقابة لانتقادات حادة، وتتهم بانها لم تقف بجوار اعضائها، بينما يكون اقصى ما تستطيع تقديمه في بعض الحالات هو صرف بدل بطالة او تقديم مساعدات اجتماعية محدودة، وهي حلول تخفف من حدة الازمة لكنها لا تعالج جذورها.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعا، لماذا تصل النقابة الى هذه المرحلة ؟ اليس من الافضل منع الازمة قبل وقوعها بدلا من محاولة علاج اثارها بعد سنوات؟ فاذا كانت لجنة القيد هي البوابة التي يمر منها الاعضاء الجدد، فان مسؤوليتها لا تقتصر على مراجعة الاوراق، بل تمتد الى التحقق من ان المؤسسة التي يعمل بها طالب القيد مؤسسة حقيقية، تمتلك هيكلا اداريا وماليا مستقرا، وقادرة على الوفاء بالتزاماتها.
والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها ان اعضاء مجلس نقابة الصحفيين، بحكم خبراتهم الطويلة في العمل المهني والنقابي، يعرفون جيدا خريطة المؤسسات الصحفية، ويدركون الفارق بين المؤسسات الراسخة التي صنعت اسمها بالمهنية والاستقرار، وبين الكيانات الهشة التي تفتقد كثيرا من مقومات الاستمرار.، ولذلك، فان تشديد معايير القيد لا ينبغي ان ينظر اليه باعتباره تضييقا على الشباب، بل باعتباره حماية لهم قبل ان يكون حماية للنقابة، وحفاظا على هيبة المهنة قبل ان تتحول ازمات بعض المؤسسات الى عبء دائم تتحمله النقابة ويدفع ثمنه الصحفيون جميعا.
اليوم تقف لجنة القيد امام اختبار تاريخي، وستظل القرارات التي تتخذها محل تقدير اذا انتصرت للمهنة، وللصحفيين، ولمستقبل الصحافة المصرية.
لا تجعلوا الضغوط أو الأصوات المرتفعة أقوى من ضميركم المهني، فالمجاملة تنتهي بانتهاء أصحابها، أما آثار القرار الخاطئ فتبقى سنوات طويلة داخل النقابة.
قد ينسى الجميع أسماء أعضاء لجنة القيد، لكن التاريخ لن ينسى القرارات التي حافظت على المهنة، ولا القرارات التي فتحت الباب وكانت سبباً فى ازمات متلاحقة.
حماية النقابة لا تكون بكثرة الاعضاء، وانما بقوة المؤسسات التي ينتمون اليها، وبالالتزام الصارم بالمعايير التي تصون المهنة وتحفظ كرامة كل من يحمل شرف لقب صحفي، فـ المسؤولية اليوم ليست مسؤولية كشف قيد جديد، بل مسؤولية حماية تاريخ عريق، وبناء مستقبل اكثر قوة واستقرارا للاجيال القادمة.
كفانا تكرار هذه المأساة، كفانا صحفا أغلقت أبوابها منذ عشرين عاما أو أكثر، وما زال صحفيوها حتى اليوم يدفعون ثمن الانتماء إليها.، سنوات العمر تمضي، والمؤسسة اختفت، لكن الأزمة بقيت معلقة في رقاب أصحابها.
هؤلاء لم يخطئوا حين حلموا بمستقبل مهني، لكنهم وجدوا أنفسهم بلا عمل، وبلا مؤسسة يعودون إليها، وبلا مصدر رزق ثابت، فلم يجدوا أمامهم سوى نقابة الصحفيين يطرقون بابها طلبا للمساندة،وتجد النقابة نفسها أمام مسؤولية إنسانية لا تستطيع التنصل منها، فتقدم ما تستطيع من مساعدات أو بدل بطالة، رغم أن هذه ليست المهمة التي أنشئت من أجلها، وليست الحل الحقيقي للأزمة.، فــــ النقابة ليست بديلا عن المؤسسات الصحفية، ولا يمكن أن تتحول إلى جهة تعويض عن فشل كيانات لم تكن تملك منذ البداية مقومات الاستمرار.
إن الدرس الذي يجب أن نستفيد منه واضح وصريح، وهو أن منع المأساة أفضل ألف مرة من علاج آثارها، فكل قرار قيد يصدر اليوم لمؤسسة ضعيفة قد يتحول بعد سنوات إلى أزمة جديدة، وإلى صحفي جديد يقف على أبواب النقابة باحثا عن عمل أو عن إعانة، لذلك فإن المسؤولية لا تبدأ بعد إغلاق الصحيفة، بل تبدأ منذ اللحظة الأولى التي تمنح فيها لجنة القيد ثقتها لمؤسسة يفترض أنها قادرة على حماية مستقبل العاملين بها.
لا نريد أن يتكرر المشهد مرة أخرى، ولا أن نبكي بعد سنوات على شباب ضاعت أعمارهم بين صحف اختفت، وأحلام تبخرت، ونقابة وجدت نفسها تتحمل نتائج لم تكن لتقع لو تم التدقيق منذ البداية في قوة المؤسسة وقدرتها الحقيقية على البقاء.























