المستشار محمد سليم يكتب : تبكي على سوء حظّك… فيأتي كرم الله، فتبكي على سوء ظنّك
نحن قومٌ بارعون في البكاء على الأقدار، محترفون في تعداد الخسائر، عباقرة في تفسير ما جرى على أنه سوء حظ، وكأن الحظ كائنٌ أعمى يتسلّى بإيذائنا، أو قوة غاشمة قررت أن تجعلنا هدفًا دائمًا لسهامها. نبكي لأن بابًا أُغلق، لأن حلمًا تأجل، لأن شخصًا غاب، لأن وظيفة ضاعت، لأن طريقًا لم يكتمل. نبكي… ثم نُقسم أن الدنيا قاسية، وأن الله لم ينظر إلينا هذه المرة.
لكن الحقيقة التي لا نحب سماعها، ولا نطيق الاعتراف بها، أن أغلب بكائنا ليس على ما فُقد، بل على الصورة التي رسمناها في أذهاننا لما كان يجب أن يكون. نحن لا نحزن لأن الشيء لم يحدث، بل لأننا أردناه أن يحدث بالطريقة التي اشتهيناها نحن، وفي التوقيت الذي حددناه نحن، وبالشكل الذي أرضى غرورنا نحن.
وهنا يبدأ سوء الظن، سوء الظن بالله .. ذلك المرض الصامت الذي لا نشعر به، لكنه يتسلل إلى قلوبنا في هيئة تساؤلات بريئة:
لماذا أنا؟
لماذا الآن؟
لماذا يحدث هذا لي دون غيري؟
ننسى – أو نتناسى – أن الله لم يَعِد أحدًا بحياة خالية من الألم، لكنه وعد بالعدل، ووعد بالحكمة، ووعد بأن كل شيء عنده بميزان. ننسى أن المنع قد يكون عين العطاء، وأن التأخير قد يكون رحمة، وأن الفقد أحيانًا إنقاذ، وأن ما نراه خسارة قد يكون نجاة مؤجلة، كم من مرة بكيت لأنك لم تحصل على ما تريد، ثم اكتشفت بعد سنوات أنك لو حصلت عليه لهلكت؟
كم من مرة حزنت على باب أُغلق، ثم فتح الله لك أبوابًا لم تكن تخطر على بالك؟ كم من مرة ظننت أن الله قد نسيك، ثم أدركت أنه كان يربّي قلبك، ويهذّب روحك، ويعدّك لشيء أكبر مما طلبت؟
الله لا يعطيك دائمًا ما تطلب، لكنه يعطيك ما تحتاج، والفرق بين الاثنين هو الفرق بين طفلٍ يطلب سكينًا لأنها تلمع، وأبٍ يمنعه عنها لأنه يرى الدم قبل أن يراه الطفل - الطفل يبكي، والأب يبتسم بحكمة.
نحن كثيرًا ما نتصرف كالأطفال في علاقتنا مع الله. نطلب، ونُلح، ثم نغضب إذا لم يتحقق الطلب، وكأننا نفاوض إلهًا لا يعلم، أو نُراجع حسابات ربٍ لا يخطئ. ننسى أن علمنا محدود، وأن رؤيتنا قصيرة، وأننا نحكم على الأمور من لحظتها، بينما الله يحكم عليها من بدايتها إلى نهايتها.
ثم يأتي كرم الله، فجأة، دون موعد، دون استئذان. يأتي في صورة فرصة لم تخطط لها، أو شخص لم تتوقعه، أو طريق لم يكن في حساباتك. يأتي وأنت في أقصى درجات اليأس، في اللحظة التي كنت تظن فيها أن كل شيء انتهى. عندها لا تبكي على سوء حظك، بل تبكي على سوء ظنك.
تبكي لأنك شككت.
تبكي لأنك اعترضت.
تبكي لأنك استعجلت.
وتدرك متأخرًا أن الله كان يعمل من أجلك وأنت تسيء به الظن. كان ينسج لك خيوط الرحمة وأنت ترى فقط عقدة الألم. كان يحميك وأنت تظن أنه يحرمك. كان يقودك للطريق الصحيح وأنت تتهمه بأنه أضاعك.
سوء الظن بالله لا يعني الكفر، لكنه يعني ضعف المعرفة. يعني أننا لم نفهم بعد من هو الله، ولم نقرأ أسمائه كما ينبغي، ولم نتأمل أفعاله كما يجب. لو عرفناه حق المعرفة، لما جزعنا كل هذا الجزع، ولما خفنا كل هذا الخوف، ولما بكينا كل هذا البكاء.
الإيمان الحقيقي لا يمنع الألم، لكنه يمنع اليأس. لا يمنع الدموع، لكنه يمنع الانكسار. لا يمنع الأسئلة، لكنه يمنع الاتهام، فإن ضاقت عليك الدنيا، لا تقل سوء حظي، بل قل لعل الله يدبر لي أمرًا لا أراه”.
وإن تأخر عليك الفرج، لا تقل: “نسيني الله”، بل قل: “ربما يربيني الله”، وإن سقطت، لا تلعن الطريق، بل اسأل نفسك: ماذا يريد الله أن أتعلم؟ وفي النهاية، ستفهم.
ستفهم أن ما ظننته قسوة كان رحمة، وما حسبته حرمانًا كان حماية، وما بكيت لأجله يومًا، ستبكي يومًا آخر لأن الله لم يعطه لك، وقتها فقط، ستعرف أن أسوأ ما مررت به لم يكن سوء حظك، بل سوء ظنك.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية لفض المنازعات بين الدول العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق























