بوابة الدولة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 03:52 صـ 13 جمادى أول 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

د. محمود فوزي يكتب: الأستاذ الجامعي.. فارس بلا جواد

د. محمود فوزي
د. محمود فوزي

تعد البيئة الجامعية من أكثر بيئات العمل تماسكًا، لما تتميز به من هوية اجتماعية وتنظيمية موحدة، تتيح تنمية مؤشرات التقارب المؤسسي والتضامن الفكري بين أعضاء هيئة التدريس، وتعزز استقرار عمليات التبادل الاجتماعي، وتفتح آفاقًا أوسع للدعم والتعاون المشترك، بما يسهم في بناء مسارات صحية للتعلم التنظيمي والتنمية المعرفية المشتركة.

غير أن هذه البيئة، التي يفترض أن تكون حاضنة للفكر والإبداع، تواجه تحديات تنظيمية وإدارية قد تؤثر في قدرتها على أداء رسالتها، خاصة عندما تتراجع مساحات الاستقلال الأكاديمي، وتتزايد القيود البيروقراطية، ويصبح الأستاذ الجامعي مطالبًا بأداء أدوار متعددة دون أن تتوافر له دائمًا المقومات اللازمة لتحقيق التوازن بين متطلبات العمل واحتياجاته المهنية والإنسانية.

فالمهام الأكاديمية لم تعد تقتصر على التدريس داخل القاعات أو إجراء البحوث داخل المعامل، بل امتدت لتشمل أنشطة الاستدامة البيئية والاجتماعية، وخدمة المجتمع وتنمية البيئة، والمشاركة في تطوير المؤسسات التعليمية، والإسهام في معالجة قضايا المجتمع. وهي مسؤوليات تفرض على عضو هيئة التدريس أدوارًا متنامية تتطلب قدرًا أكبر من التمكين التنظيمي، والقدرة على المشاركة في صناعة القرار، وتطوير الذات، وتحويل الأفكار العلمية إلى مبادرات عملية تخدم الجامعة والمجتمع.

وتتأثر هذه الأدوار بمجموعة من المتغيرات الشخصية والثقافية والتنظيمية، كما تختلف نظرة الأستاذ الجامعي إلى ذاته وزملائه وبيئة عمله باختلاف مرحلته العمرية وخبراته المهنية وتطلعاته المستقبلية.

ففي السنوات الأولى من المسار الأكاديمي، التي تشمل المعيد والمدرس المساعد والمدرس، تتصدر الرغبة في التأسيس المهني وتحقيق الاستقرار الوظيفي، واكتساب الخبرات البحثية والتدريسية، وبناء مستقبل أكاديمي يسمح بتحقيق الأهداف والطموحات العلمية.

أما مع التقدم في المسيرة المهنية، فتتطور احتياجات الأستاذ الجامعي، وتتزايد رغبته في تحقيق الذات والاستقلال الفكري والوظيفي، وتأسيس مدارس بحثية متميزة، وبلورة اتجاهات علمية مستقلة، والمشاركة الفاعلة في رسم السياسات الأكاديمية. كما تصبح المناصب القيادية بالنسبة إلى البعض فرصة لترجمة الرؤى والأفكار إلى خطط تنفيذية قابلة للتطبيق، بما يسهم في تطوير الأداء المؤسسي والارتقاء بمستوى التعليم والبحث العلمي.

ومن هنا، فإن التعامل مع احتياجات أعضاء هيئة التدريس لا ينبغي أن يقوم على رؤية إدارية موحدة تتجاهل اختلاف مراحلهم المهنية وتطلعاتهم، بل يتطلب سياسات مرنة تستوعب هذه الاختلافات، وتوفر لكل مرحلة ما يناسبها من فرص التطوير والتدريب والتمكين والمشاركة في اتخاذ القرار.

ولا تكمن المشكلة في زيادة رواتب أعضاء هيئة التدريس وحدها، رغم أهمية تحسين الأوضاع المادية، وإنما تمتد إلى ضرورة إرساء منظومة إدارية متكاملة تضمن بيئة عمل صحية ومحفزة، وتحد من الضغوط التنظيمية، وتمنح الأستاذ الجامعي مساحة حقيقية من الحرية الأكاديمية والاستقلال المهني.

فحين يخضع الأكاديمي لمظاهر تنظيمية جامدة وبيروقراطية إدارية متعسفة، تتراجع مستويات الرضا الوظيفي والانتماء المؤسسي، وقد تتولد لديه مواقف سلبية تجاه مهام العمل، وتتقلص رغبته في تقديم المبادرات الذاتية والمشاركة في الأنشطة التطوعية التي لا ترتبط بمكاسب مباشرة أو التزامات مفروضة.

والأخطر من ذلك أن تتحول بيئة العمل من مساحة للتنافس العلمي الشريف وتبادل الخبرات إلى ساحة للصراعات الشخصية والحسابات الإدارية الضيقة، بما يضعف الثقة المتبادلة بين الزملاء، ويهدر طاقات كان من الممكن توجيهها نحو البحث العلمي والابتكار وخدمة المجتمع.

ولا يمكن اختزال المطالب الداعية إلى تحسين أوضاع الأستاذ الجامعي في الجوانب المادية فقط، دون الالتفات إلى أهمية بناء ثقافة تنظيمية داعمة، تحترم المكانة العلمية، وتقدر الكفاءة، وتكفل العدالة في توزيع الفرص والمسؤوليات، وتتيح المشاركة في اتخاذ القرارات التي تمس مستقبل الجامعة وأداءها.

فالأستاذ الجامعي ليس مجرد موظف يؤدي مجموعة من المهام الإدارية والتعليمية، وإنما هو أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها منظومة بناء الإنسان وإنتاج المعرفة وتشكيل الوعي. ومن ثم، فإن المساس باستقرار البيئة الجامعية أو إضعاف استقلالها الأكاديمي ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على جودة العملية التعليمية، ومستوى البحث العلمي، وقدرة الجامعة على أداء رسالتها الوطنية.

وعندما تتراجع الثقة داخل المؤسسات الأكاديمية، قد تظهر أنماط من السلوك التنظيمي السلبي، مثل الامتناع عن المبادرة، وتصيد الأخطاء، والانشغال بالتفاصيل الإدارية الهامشية، والتنافس غير الصحي، والتعدي على حقوق الزملاء، وممارسة التنمر الوظيفي أو استغلال النفوذ الإداري لفرض السيطرة على الآخرين.

وهذه المظاهر لا تضر بالأفراد وحدهم، بل تمتد آثارها إلى المؤسسة بأكملها، فتضعف روح الفريق، وتحد من تبادل المعرفة، وتقلل من فرص التعاون البحثي، وتخلق مناخًا لا يشجع على الإبداع أو تحمل المسؤولية.

إن الجامعة التي تطمح إلى التميز لا يمكنها أن تبني مستقبلها على القيود الإدارية وحدها، ولا أن تطالب أعضاء هيئة التدريس بالإبداع بينما تحاصر مبادراتهم، أو تدعوهم إلى خدمة المجتمع دون أن توفر لهم الدعم اللازم، أو تنتظر منهم الولاء المؤسسي دون أن يشعروا بالعدالة والتقدير والإنصاف.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مراجعة آليات الإدارة الجامعية، وتطوير نظم تقييم الأداء بما يحقق الموضوعية والشفافية، وتعزيز مشاركة أعضاء هيئة التدريس في صناعة القرار، وتوسيع نطاق التفويض الإداري، وربط الترقية وتولي المناصب القيادية بمعايير الكفاءة والنزاهة والقدرة على التطوير، بعيدًا عن الاعتبارات الشخصية أو المصالح الضيقة.

كما تبرز أهمية توفير برامج جادة للدعم النفسي والمهني، وتطوير مهارات القيادة والإدارة، وتشجيع العمل الجماعي، وحماية الحقوق الأكاديمية، وترسيخ قواعد واضحة للتعامل مع الخلافات والنزاعات داخل المؤسسات الجامعية.

ولا يقل عن ذلك أهمية إرساء ثقافة مؤسسية تؤمن بأن الاختلاف في الرأي ليس تهديدًا للاستقرار، وأن استقلال الفكر لا يتعارض مع الانضباط المؤسسي، وأن النقد العلمي البناء يمثل أحد أهم أدوات التطوير، لا مبررًا للإقصاء أو التضييق.

إن الأستاذ الجامعي يحتاج إلى بيئة تمنحه الثقة قبل أن تطالبه بالإنجاز، وتفتح أمامه أبواب المشاركة قبل أن تحاسبه على النتائج، وتقدر خبراته قبل أن تثقل كاهله بالأعباء الإدارية. فكلما شعر الأكاديمي بأن مؤسسته تحترمه وتدعمه، زادت فرص انخراطه الإيجابي في العمل، وارتفعت قدرته على الابتكار، وتعززت رغبته في الدفاع عن سمعة جامعته والمساهمة في تقدمها.

وفي المقابل، فإن استمرار تجاهل هذه الاحتياجات قد يحول الطاقات العلمية إلى طاقات معطلة، ويجعل بعض الكفاءات تنصرف عن المبادرة والتطوير، لا بسبب نقص القدرة أو المعرفة، وإنما نتيجة مناخ لا يوفر الحوافز الكافية ولا يضمن التقدير العادل للجهد المبذول.

ويبقى السؤال الأهم: كيف نطالب الأستاذ الجامعي بأن يكون قائدًا للتنوير وصانعًا للمستقبل، بينما لا نمنحه دائمًا المساحة التي تمكنه من ممارسة دوره بحرية واستقلال؟

إن لقب الأستاذية ليس مجرد درجة علمية أو مسمى وظيفي، بل مسؤولية فكرية ومجتمعية تستحق أن تحاط بالتقدير، وأن تدعمها سياسات إدارية رشيدة، وثقافة مؤسسية تحترم العلم والعلماء، وتؤمن بأن نهضة الجامعات تبدأ من الإنسان الذي يحمل رسالتها.

ومن هنا، فإن وصف الأستاذ الجامعي بأنه «فارس بلا جواد» ليس انتقاصًا من مكانته أو قدراته، وإنما تعبير عن المفارقة التي قد يعيشها الأكاديمي حين يمتلك العلم والخبرة والرغبة في الإنجاز، لكنه يفتقد بعض الأدوات والصلاحيات والظروف التي تمكنه من تحويل إمكاناته إلى نتائج ملموسة.

فالفارس مهما امتلك من شجاعة وخبرة، يحتاج إلى جواد ينطلق به نحو هدفه؛ وكذلك الأستاذ الجامعي يحتاج إلى بيئة عمل تمنحه الأدوات والصلاحيات والدعم الذي يستحقه، حتى يستطيع أداء رسالته على الوجه الأكمل.

إن الاستثمار الحقيقي في الجامعات لا يبدأ بالمباني والتجهيزات وحدها، بل يبدأ بالاستثمار في الإنسان، وفي مقدمة هؤلاء الأستاذ الجامعي، الذي يمثل العقل المفكر والضمير العلمي والقوة المحركة للتطوير.

فإذا أردنا جامعة قوية، وبحثًا علميًا متقدمًا، وخريجًا قادرًا على المنافسة، فعلينا أن نعيد للأستاذ الجامعي مكانته المستحقة، وأن نوفر له بيئة تليق برسالته، وأن نحرره من القيود التي تعطل إبداعه، ليصبح فارسًا يمتلك جواده، وينطلق بعلمه نحو مستقبل أكثر تقدمًا وازدهارًا.

موضوعات متعلقة