بوابة الدولة
الخميس 3 سبتمبر 2026 05:12 صـ 19 ربيع أول 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفى صالح شلبى يكتب : أسرار صادمة بوزارة التضامن ..من الاستبعاد للنفوذ ثم الاطاحة

الكاتب الصحفى صالح شلبى
الكاتب الصحفى صالح شلبى

ما نشرته جريدة «الوفد» في عددها الصادر الأحد 30 أغسطس 2026 بشأن كواليس ما يجري داخل  وزارة التضامن الاجتماعي، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد خبر عابر، فالمعلومات التي أوردتها الصحيفة عن تحقيقات وتغييرات واستبعادات وقرارات تجديد مؤجلة وملفات إدارية ومالية، تضع أمام الوزارة مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات واضحة، خاصة أن الأمر يتعلق بوزارة تمس حياة ملايين المواطنين وتتعامل مع أموال عامة وبرامج حماية اجتماعية وحقوق فئات هي الأكثر احتياجا للرعاية.

ومن بين أكثر الوقائع إثارة للتساؤلات ما يتعلق بقيادة بارزة قالت «الوفد» إنها أثارت جدلا داخل الوزارة وخارجها لأكثر من عامين، وكانت قد أطاحت بها الدكتورة نيفين القباج خلال فترة توليها مسؤولية الوزارة، ثم عادت هذه القيادة إلى المشهد مرة أخرى في عهد الدكتورة مايا مرسي، ولم تكن العودة مجرد عودة عادية إلى موقع وظيفي، وإنما تبعتها، وفقا لما نشرته «الوفد»، أدوار ومهام ومواقع متعددة، وصولا إلى توليه مسؤولية المتحدث الرسمي للوزارة.

وهنا تحديدا لا نريد أن نسأل لماذا أطاحت بها الوزيرة السابقة، فهذا قرار اتخذ في وقته وله ملابساته، ولا نريد أن نضع الدكتورة نيفين القباج طرفا في أي استفسار حالي، وإنما السؤال الذي يفرض نفسه الآن يتعلق بالمرحلة التالية، لماذا أعيدت هذه القيادة إلى الوزارة مرة أخرى، وما المعايير التي استندت إليها الدكتورة مايا مرسي في إعادة الثقة بها، ثم منحها هذا الكم من الاختصاصات والمواقع، وصولا إلى موقع المتحدث الرسمي؟

والأمر لا يتوقف عند تعدد المواقع والمسؤوليات، فقد أشارت المعلومات المتداولة التي نشرتها «الوفد» إلى أن عودة هذه القيادة تزامنت أيضا مع حصولها على رحلة حج على نفقة الوزارة، وهو ما يفتح سؤالا مشروعا لا يحمل اتهاما لأحد، ما القواعد والضوابط التي تم على أساسها اختيار المستفيدين من رحلات الحج التي تتحمل الوزارة تكلفتها، وهل كانت هناك معايير معلنة تنطبق على الجميع، وهل كان حصول هذه القيادة على رحلة الحج جزءا من نظام عام أم ميزة مرتبطة بعودته إلى الوزارة؟

وهنا يجب أن نكون واضحين، نحن لا نقول إن رحلة الحج مخالفة، ولا نصدر حكما على أحد، ولكن عندما تكون الرحلة على نفقة جهة حكومية، يصبح من حق الرأي العام أن يعرف كيف يتم الاختيار، ومن يتحمل التكلفة، وما الضوابط التي تحكم منح هذه الميزة، خصوصا عندما تتزامن مع عودة قيادة سبق استبعادها ثم أصبحت لاحقا في مواقع مؤثرة داخل الوزارة.

والسؤال الأكبر الذي لا يزال بلا إجابة هو، إذا كانت هذه القيادة قد تم استبعادها في وقت سابق، فما الذي تغير حتى تعود مرة أخرى وتحصل على هذه المساحة من الثقة والصلاحيات، ثم تصبح متحدثا رسميا باسم الوزارة، وإذا كانت الوزارة ترى أن كفاءتها وخبرتها تؤهلها لكل هذه المواقع، فمن حق الرأي العام أن يعرف ما هي المعايير التي تم على أساسها هذا الاختيار، وهل كانت هناك منافسة أو إجراءات معلنة أم أن الأمر تم بقرارات مباشرة.

ثم جاءت التطورات الأخيرة، بحسب ما نشرته «الوفد»، لتشير إلى استبعاد هذه القيادة مرة أخرى، وسحب السيارة والعهد الخاصة بها، وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا، ما الذي استجد؟ وما الذي أدى إلى هذا التحول من الثقة الواسعة إلى الاستبعاد؟ وهل كان القرار نتيجة تحقيقات محددة، وما طبيعة الوقائع التي كانت محل فحص؟

هذه الأسئلة لا تعني إدانة القيادة، ولا تعني أن المخالفات ثابتة، وإنما تعني ببساطة أن تسلسل الأحداث يحتاج إلى تفسير، فليس منطقيا أن يعرف الرأي العام أن قيادة استبعدت، ثم أعيدت، ثم منحت صلاحيات ومواقع متعددة، ثم حصلت على ميزة تتحمل الوزارة تكلفتها، ثم استبعدت مرة أخرى، بينما تظل الأسباب الحقيقية وراء كل هذه التحولات بعيدة عن الرأي العام.

والأمر نفسه ينطبق على ما نشرته «الوفد» بشأن التحقيقات الأخيرة واستدعاء عدد من القيادات والموظفين، وما قيل عن تقديم رسائل عبر تطبيق «واتساب» أثناء التحقيقات، فإذا كانت هذه المعلومات صحيحة، فمن حق الرأي العام أن يعرف إلى أين وصلت التحقيقات، وهل انتهت إلى مسؤوليات محددة أم أن الأمر لا يزال قيد الفحص، لأن الشفافية هنا لا تضر أحدا، وإنما تحمي الوزارة وتحمي كل من تثبت سلامة موقفه.

كما أن ملف تطوير الدور الثالث بمقر الوزارة لصالح صندوق دعم الصناعات الريفية البيئية يحتاج هو الآخر إلى إجابة واضحة، بعد ما نشرته «الوفد» بشأن إسناد أعمال التطوير إلى شركة قالت الصحيفة إنها غير معروفة في مجال التطوير العقاري، ودخلت الوزارة عبر القيادة محل التحقيق، دون اتباع الإجراءات القانونية أو الطرح في مناقصة عامة، وهنا لا نتهم أحدا، وإنما نسأل فقط، هل تم الإسناد وفقا للقانون، وما طبيعة الأعمال، وما قيمتها، وما الإجراءات التي اتبعت لاختيار الشركة المنفذة.

أما مسألة الاستعانة بقيادات من خارج الوزارة، فهي بدورها تحتاج إلى شفافية كاملة، لأن وجود كفاءات من خارج الوزارة ليس جريمة ولا عيبا إذا كان الاختيار قائما على القانون والكفاءة، لكن ما يثير التساؤل هو أن يشعر أبناء الوزارة بأن المناصب القيادية تذهب بعيدا عنهم دون أن يعرفوا معايير الاختيار، ولذلك فإن الإعلان عن قواعد واضحة للمنافسة على المواقع القيادية سيكون أفضل كثيرا من ترك الباب مفتوحا للتفسيرات.

والدكتورة مايا مرسي لديها الآن فرصة حقيقية لإنهاء هذا الجدل، ليس بالدفاع عن الأشخاص أو القرارات، وإنما بوضع الحقائق أمام الرأي العام، فوزارة التضامن ليست ملكا لمسؤول أو مجموعة من القيادات، وإنما مؤسسة عامة، وكل قرار فيها قابل للسؤال، وكل إنفاق فيها قابل للمراجعة، وكل اختيار فيها من حق المواطن أن يعرف أساسه عندما يتعلق الأمر بمال عام أو موقع عام أو ميزة تتحمل الدولة تكلفتها.

نحن لا نريد معركة بين وزارة التضامن و«الوفد»، ولا نريد أن تتحول الصحافة إلى خصم للوزارة، فالصحافة التي تفتح الملفات لا تستهدف الوزارة بالضرورة، بل يمكن أن تمنحها فرصة ثمينة لتصحيح أي خلل وتوضيح أي التباس، وإذا كانت المعلومات التي نشرتها «الوفد» غير دقيقة، فالرد عليها بالمستندات سيكون أقوى من أي بيان، وإذا كان بعضها صحيحا، فإن الاعتراف بالخلل ومعالجته سيكون أقوى للوزارة من محاولة دفن الموضوع.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لا يجوز أن يبحث عن إجابة في الأدراج، كيف عادت قيادة سبق استبعادها، وكيف تحولت بعد العودة إلى قيادة متعددة المواقع والاختصاصات، وكيف أصبحت المتحدث الرسمي للوزارة، وما ضوابط رحلة الحج التي حصلت عليها على نفقة الوزارة، ثم ما الذي أدى بعد ذلك إلى استبعادها وسحب السيارة والعهد منها؟

هذه ليست أسئلة للشماتة، ولا للتشهير، ولا لإدانة أحد قبل انتهاء التحقيقات، وإنما هي أسئلة مشروعة تفرضها الوقائع كما نشرتها «الوفد»، والإجابة عنها لا تنتقص من الوزارة، بل تثبت أن الدولة عندما تفتح ملفا فإنها تبحث عن الحقيقة كاملة، وأن المناصب لا تحمي أحدا، وأن المال العام له ضوابط، وأن ثقة المواطن في وزارة التضامن لا يمكن أن تبنى على الصمت، وإنما على الشفافية والمحاسبة وتكافؤ الفرص،

فالحقيقة لا تخيف من يملكها، والمستند لا يزعج من يملك سلامة موقفه، أما ترك كل هذه الأسئلة معلقة، فهو الذي يجعل قصة عودة هذه القيادة ثم صعودها ثم استبعادها مرة أخرى واحدة من أكثر الملفات التي تحتاج إلى إجابة واضحة من وزارة التضامن الاجتماعي.

ومن هنا فإن كل ما نطلبه ليس أكثر من إجابة تضع النقاط فوق الحروف، وتحسم ما أثارته الصحيفة من أسئلة، وتحفظ في الوقت نفسه حقوق كل من ورد اسمه أو موقعه في هذه الوقائع، فالنقد حق، والسؤال حق، والرد حق، أما الحقيقة النهائية فتظل دائما للمستندات والجهات المختصة، وبذلك تكون الوزارة قد أغلقت باب الجدل بأقوى ما يمكن أن تملكه أي مؤسسة عامة، الشفافية والوثيقة والحقيقة.

كاتب المقال الكاتب الصحفى صالح شلبى رئيس مجلس الادارة ورئيس تحرير موقع بوابة الدولة الاخبارية
 

موضوعات متعلقة