بوابة الدولة
الإثنين 31 أغسطس 2026 04:17 مـ 17 ربيع أول 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفي صالح شلبي يكتب: «100 مليون صحة».. أرقام تفرح وواقع يوجع

الكاتب الصحفى صالح شلبى
الكاتب الصحفى صالح شلبى

لا أحد يستطيع أن ينكر أن المبادرات الرئاسية في مجال الصحة، وفي مقدمتها «100 مليون صحة»، حققت إنجازات مهمة في الكشف المبكر والوقاية والعلاج، وأن وصول الخدمات الصحية إلى ملايين المواطنين يمثل جهدا كبيرا يستحق الإشادة، لكن الإنجازات الحقيقية لا تكتمل بالأرقام وحدها، لأن المواطن الذي اكتشف مرضه مبكرا لا يريد شهادة بأنه تم فحصه، وإنما يريد أن يجد طبيبا يعالجه، وسريرا يستقبله، ودواء يحصل عليه، ورعاية طبية تحفظ حياته وكرامته

وهنا يفرض الواقع سؤالا لا يجوز الهروب منه، كيف نطلب من مريض يحتاج إلى عملية جراحية عاجلة لإنقاذ حياته أن ينتظر صدور قرار العلاج على نفقة الدولة، وهل يستطيع المرض أن ينتظر انتهاء الإجراءات والملفات والتوقيعات، وهل يمكن أن نضع حياة إنسان في طابور البيروقراطية، ثم نقول له «انتظر»، بينما حالته الصحية تتدهور يوما بعد يوم، إن المريض الذي يقف على أبواب المستشفى وهو في أشد الحاجة إلى تدخل جراحي عاجل لا يحتاج إلى ورقة إدارية بقدر ما يحتاج إلى إنقاذ سريع، وبعد إنقاذ حياته يمكن استكمال الإجراءات المالية والإدارية

المريض يحتاج إلى التدخل السريع لإنقاذه، ولا يحتاج إلى الموت البطيء خلف المكاتب، وهذه ليست مبالغة ولا شعارات، وإنما حقيقة يعرفها كل من اضطر إلى الانتظار بحثا عن قرار علاج أو سرير أو غرفة رعاية، فهناك أمراض لا تمنح أصحابها فرصة للانتظار، وهناك حالات يكون فيها التأخير ساعات أو أياما سببا في مضاعفات خطيرة قد تصل إلى فقدان الحياة، ولذلك يجب أن تكون الأولوية الأولى للطبيب هي إنقاذ المريض، ثم تأتي بعد ذلك الأوراق والإجراءات والمكاتبات

ولماذا لا يتم قبول المريض الذي يحتاج إلى تدخل عاجل، وإجراء العملية الجراحية اللازمة له، وتوفير الرعاية الطبية المطلوبة، ثم تستكمل بعد ذلك إجراءات العلاج على نفقة الدولة، بدلا من ترك المريض يطوف بين المستشفيات بحثا عن مكان يقبله، أو ينتظر قرارا قد يأتي بعد أن تكون حالته قد تدهورت، إن الحلول غير التقليدية هي التي نحتاج إليها اليوم، لأن البيروقراطية التي تصلح في بعض المصالح الحكومية لا تصلح عندما يكون الإنسان على حافة الموت

ثم نأتي إلى أصحاب المعاشات، وهم الفئة التي دفعت من عمرها وصحتها الكثير من أجل هذا الوطن، فالمواطن الذي قضى 36 عاما في العمل، ولم يتأخر يوما عن سداد اشتراكات التأمين الصحي، لم يكن يتبرع بأمواله، وإنما كان يؤدي التزاما مقررا عليه، بل إن صاحب المعاش يستمر بعد خروجه من العمل في تحمل الاستقطاعات المقررة من معاشه، والتي تصل في بعض الحالات إلى نحو 3% مقابل التأمين الصحي، فضلا عن مساهمات تستهدف دعم بعض الفئات داخل المجتمع، وهو أمر يعكس روح التكافل، لكن في المقابل يجب أن يحصل صاحب المعاش على حقه الكامل في العلاج عندما يحتاج إليه

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا، ماذا نقول لصاحب المعاش عندما يذهب إلى التأمين الصحي بعد أن أمضى عشرات السنوات في دفع الاشتراكات، ثم يسمع أن الدواء الذي يحتاج إليه غير موجود، أو أن عليه أن يذهب إلى صيدلية خارجية لشراء العلاج من ماله الخاص، وكيف يستطيع صاحب معاش محدود أن يتحمل هذه النفقات، وهناك أصحاب معاشات لا يتجاوز ما يحصلون عليه ألفي جنيه شهريا، فهل نطلب منه أن يختار بين شراء الدواء وبين شراء الطعام، وهل يصبح المرض بالنسبة إلى الفقير حكما إضافيا عليه أن يتحمله لأنه لا يملك ثمن العلاج

إن صاحب المعاش عندما يطالب بالعلاج لا يطلب صدقة، ولا ينتظر من أحد منحة أو منة، وإنما يطالب بحق دفع ثمنه طوال سنوات عمله، ولذلك فإن عدم توافر الدواء داخل منظومة التأمين الصحي، خاصة أدوية الأمراض المزمنة، يجب ألا يكون أمرا عاديا يمكن تجاوزه بجملة «الدواء غير موجود»، لأن مريض السكر أو الضغط أو القلب لا يستطيع أن يتعامل مع علاجه باعتباره سلعة يمكن تأجيل شرائها حتى تتوافر، فهناك أدوية مرتبطة باستقرار الحالة الصحية، وغيابها قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة يتحمل المواطن وحده نتائجها

والأمر لا يتوقف عند نقص الدواء، فالمريض الذي يحجز موعده مبكرا، ويذهب في الموعد المحدد، ويقف في طوابير طويلة، ويتحمل الزحام والانتظار، ثم يكتشف بعد كل هذه المعاناة أن الطبيب اعتذر ولن يحضر، من يعوضه عن وقته، ومن يعوضه عن مشقة الان.

كاتب المقال الكاتب الصحفى صالح شلبى رئيس مجلس الادارة ورئيس تحرير موقع بوابة الدولة الاخبارية
 

موضوعات متعلقة