المستشار محمد سليم يكتب: من دمياط إلى العالم.. مصر تحمي أمنها القومي بقوة الدولة ومؤسساتها
لم تكن الواقعة التي شهدها ميناء دمياط باستهداف سفينتين بطائرة مسيرة مجرد حادث عابر، بل كانت اختبارًا جديدًا لقدرة الدولة المصرية على التعامل مع التحديات الأمنية المعقدة، واختبارًا لصلابة مؤسساتها، وسرعة استجابتها، ووضوح رسائلها للرأي العام. وقد أثبتت الدولة، بقيادة مؤسساتها التنفيذية والأمنية، أنها تمتلك من الجاهزية والكفاءة ما يجعلها قادرة على حماية أمنها القومي والحفاظ على مقدراتها مهما كانت طبيعة التهديدات.
منذ اللحظة الأولى، تحركت أجهزة الدولة وفق خطط طوارئ واضحة، وانتقلت القيادات التنفيذية إلى موقع الحادث، وعلى رأسها المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية، كما تابع الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء الموقف لحظة بلحظة، واطلع على نتائج التحقيقات الأولية التي كشفت أن الحادث نتج عن طائرة مسيرة، مع استمرار التحقيقات لاستكمال جميع الملابسات، دون تسرع أو إطلاق اتهامات غير مدعومة بالأدلة.
هذه الإدارة الرشيدة للأزمة تؤكد أن الدولة المصرية لا تتعامل مع الأحداث بردود أفعال، وإنما وفق منظومة مؤسسية متكاملة تعتمد على المعلومات الدقيقة، والتنسيق الكامل بين جميع الأجهزة، والالتزام بالشفافية في إطلاع المواطنين على الحقائق، وهو ما ظهر بوضوح في البيان الرسمي الصادر عن مجلس الوزراء.
الأهم من ذلك أن الميناء لم يتوقف عن العمل، ولم تتعطل حركة التجارة أو الملاحة، بل استمرت عمليات استقبال ومغادرة السفن، وأعمال الشحن والتفريغ، وتداول الحاويات والبضائع بصورة طبيعية، وهو ما يعكس قوة البنية التشغيلية للموانئ المصرية، وقدرة الدولة على احتواء الأزمات دون أن تؤثر على الاقتصاد الوطني أو حركة التجارة الدولية.
إن أمن الموانئ المصرية ليس مجرد قضية خدمية، بل هو جزء أصيل من الأمن القومي المصري، لأن هذه الموانئ تمثل شريانًا رئيسيًا للتجارة، وركيزة مهمة في منظومة التنمية الاقتصادية التي تعمل الدولة على تعزيزها خلال السنوات الأخيرة، ولذلك فإن أي محاولة لاستهدافها لن تحقق أهدافها، بل تزيد من إصرار الدولة على تطوير منظومات الحماية والتأمين، وتحديث وسائل المواجهة بما يتناسب مع طبيعة التحديات الحديثة.
وقد جاءت تصريحات عدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ لتعبر عن حالة التوافق الوطني في مواجهة مثل هذه الأحداث، حيث أكدوا أن الشفافية التي تعاملت بها الحكومة مع الأزمة قطعت الطريق على الشائعات، ورسخت الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، كما شددوا على أن حماية المنشآت الحيوية مسؤولية وطنية، وأن الالتفاف حول الدولة في مثل هذه الظروف ضرورة لا تحتمل المزايدة أو التشكيك.
ولا يقل دور الإعلام الوطني أهمية عن دور المؤسسات التنفيذية، فقد أثبت الإعلام المصري أنه شريك في حماية الأمن القومي عندما التزم بالبيانات الرسمية، وابتعد عن التهويل أو نشر معلومات غير موثقة، وهو ما ساهم في الحفاظ على حالة الاستقرار، ومنع تداول الشائعات التي تستهدف بث القلق أو التشكيك في قدرة الدولة على إدارة الأزمة.
إن مصر اليوم ليست كما كانت قبل سنوات، فقد أصبحت تمتلك مؤسسات قوية، وأجهزة أمنية محترفة، وقدرات تكنولوجية متطورة، وخبرات كبيرة في إدارة الأزمات، وهو ما جعلها تتعامل مع الحادث بكفاءة وسرعة، وتعيد الأمور إلى طبيعتها في وقت قياسي، دون خسائر بشرية، ودون تعطيل للمرافق الحيوية.
ويبقى الدرس الأهم أن الأمن القومي لا يُحمى فقط بالسلاح، وإنما أيضًا بالوعي، والالتفاف الشعبي، والثقة في مؤسسات الدولة، ورفض الانسياق وراء الأكاذيب التي تنتشر عبر بعض المنصات المشبوهة. فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على المواجهة العسكرية، بل أصبحت تعتمد على الشائعات والحرب النفسية ومحاولات التشكيك، وهو ما يستوجب من الجميع التحلي بالمسؤولية الوطنية.
ستظل مصر قادرة على حماية حدودها ومنشآتها ومصالحها، لأنها تمتلك قيادة تدير الأزمات بحكمة، ومؤسسات تعمل باحتراف، وشعبًا يدرك حجم التحديات ويقف خلف دولته في كل المواقف. وكل محاولة للنيل من أمنها القومي ستتحطم أمام قوة الدولة، وتماسك مؤسساتها، وإرادة شعبها التي لا تعرف الانكسار.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية السابق بمجلس النواب، والمحامي أمام المحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض.























