بوابة الدولة
الثلاثاء 21 يوليو 2026 08:35 صـ 5 صفر 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية
ما حكم لبس البنطال المقطّع للشباب؟.. أمين الفتوى يجيب وزير السياحة: تسهيلات جديدة للتأشيرات الإلكترونية لتعزيز حركة السياحة لطفى بوشناق يحيى حفلاً غنائياً فى مهرجان دقة الدولى اليوم محمد منير ينعى هانى شنودة: فقدت أخا وصديقا ورفيق رحلة فنية النائب عمرو عويضه يهنئ الرئيس عبد الفتاح السيسي والشعب المصرى بذكرى ثورة يوليو المجيدة سعر الذهب عيار 14 اليوم الثلاثاء 21 يوليو يصل إلى 3906 جنيهات ثبات سعر الدولار مقابل الجنيه فى البنوك اليوم الثلاثاء 21-7-2026 استقرار سعر الحديد اليوم الثلاثاء 21 يوليو 2026 في مصر النائبة ايمان سامى تهنئ الرئيس عبد الفتاح السيسي والشعب المصرى بذكرى ثورة يوليو المجيدة النائبة اسماء حجازى تهنئ الرئيس عبد الفتاح السيسي والشعب المصري بذكرى ثورة يوليو المجيدة النائب الدكتور محسن البطران يهنئ الرئيس عبد الفتاح السيسي والشعب المصرى بذكرى ثورة يوليو المجيدة نقابة المهن السينمائية تفتح باب الترشح للأفلام المصرية للمنافسة على جائزة الأوسكار لعام 2026

الكاتب الصحفى صالح شلبى يكتب: سماسرة الفتن والكراهية

الكاتب الصحفى صالح شلبى
الكاتب الصحفى صالح شلبى

وجوه تبتسم في حضورك.. تغرس الخناجر في ظهرك .. تشعل الحرائق بين الناس تعيش على النميمة وسوء الظن والطعن في الشرفاء

في كل زمان ومكان، ستجد أشخاصًا لا يعرفون طريقًا للبناء، ولا يجدون لأنفسهم مكانًا إلا بين الأنقاض. يسعدون بإشعال الحرائق بين الناس، فإذا اشتعلت نار الخلاف لم يكتفوا بمشاهدتها، بل أخذوا يلقون عليها الحطب، ويؤججونها بالكذب، والنميمة، وسوء الظن، حتى تتحول شرارة صغيرة إلى نار تأتي على الأخضر واليابس.

تذكر دائمًا أن من يتحدث إليك عن الآخرين، سيتحدث عنك غداً إلى الآخرين، ومن ينقل إليك أسرار الناس، سينقل أسرارك يوماً إلى غيرك؛ لأنه يسير على خُطى الشيطان، الذي لا يهدأ له بال إلا إذا فرّق بين الأحبة، وأشعل نار الفتنة، وأفسد ذات البين

ومن وجهة نظري، فإن كثيراً من هؤلاء يعيشون أزمات داخلية، ويحملون في نفوسهم أحقادًا وعقداً متراكمة، انعكست على تصرفاتهم مع الآخرين، وربما كانت هذه السلوكيات ثمرة بيئة تفتقر إلى التربية السليمة، أو نتاج خلافات أسرية وتجارب حياتية قاسية، فبدلًا من مواجهة مشكلاتهم وإصلاح أنفسهم، اختاروا أن يفرغوا ما بداخلهم في الآخرين، فيحاولون هدم كل علاقة ناجحة، وإفساد كل مودة صادقة، وإشعال الفتن حيثما وجدوا فرصة لذلك.

إنهم لا يحتملون رؤية شخصين متحابين، أو أسرة مستقرة، أو صديقين تجمعهما الثقة والوفاء، وإذا رأوا خيراً سعوا إلى تشويهه، وإذا وجدوا وفاقًا عملوا على تمزيقه.

هولاء يشبهون دود القبور الذي لا يعيش إلا بين الأجساد البالية، فهم لا يقتاتون إلا على الخلافات، ولا يجدون راحتهم إلا في نشر الشائعات، ونقل الأسرار، والطعن في الناس من خلف ظهورهم، وإذكاء نيران الفتن بدلًا من إخمادها.

منهم من يبتسم في وجهك، ويصافحك بحرارة، بينما يضمر لك الشر، فإذا غبت عن عينيه بدأ في تشويه صورتك، والطعن في سمعتك، وبث الأكاذيب عنك، ومنهم من يأكل معك العيش والملح، ويقسم لك أنه أوفى الأصدقاء، ثم إذا سنحت له الفرصة طعنك في ظهرك دون رحمة، غير عابئ بعِشرة أو معروف، وهناك من يتقرب إليك لا حباً فيك، بل ليجمع أسرارك، ويتعرف على خصوصياتك، ثم يحملها إلى الآخرين، ويضيف إليها من خياله ما يشعل الفتنة، ويزرع الشقاق بين الناس.

منذ فجر التاريخ، عرف الناس أصنافًا متعددة من البشر؛ فمنهم من يسعى إلى الإصلاح وجمع القلوب، ومنهم من يزرع المحبة بين الناس، ومنهم – وهو أخطرهم – من لا يعيش إلا على الفتن، ويجد متعته في إشعال الخلافات، فيصطاد في الماء العكر، ويتهم أصحاب النوايا الحسنة، ويشكك في كل عمل طيب، ويحول المواقف النبيلة إلى ساحات للريبة والظنون.

وقد حذر الله سبحانه وتعالى من هذه الأخلاق الذميمة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12].

فهذه الآية الكريمة تؤكد أن سوء الظن بداية الفتنة، وأن الإنسان مطالب بأن يلتمس العذر لأخيه، لا أن يبحث عن زلاته أو يفسر أفعاله بأسوأ التفسيرات.

وقال سبحانه أيضًا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10].

فالقرآن الكريم لم يأمر بإشعال الخلافات، بل أمر بالإصلاح، لأن الإصلاح عبادة، أما الفتنة فهي من أعظم أسباب هدم المجتمعات.

وجاءت السنة النبوية لتؤكد هذا المعنى، فقال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة نمام»، وقال أيضًا: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث».

وكان الإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي، رحمه الله، يؤكد دائمًا أن المؤمن الحقيقي لا يتعجل الحكم على الناس، بل يحمل كلامهم على أحسن المحامل، وكان يقول بمعنى كلامه: "إذا وجدت لكلمة أخيك أكثر من معنى، فاحملها على أحسنها، ولا تظنن بكلمة خرجت من مسلم شرًا وأنت تجد لها في الخير محملًا." وكان يرى أن حسن الظن عبادة، وأن الكلمة قد تكون سببًا في بناء علاقة أو هدمها، وأن من صفات المؤمن أن يكون مصدرًا للإصلاح لا للإفساد، ولجمع القلوب لا لتفريقها، وأن من ينشغل بعيوب الناس ينسى عيوب نفسه، بينما ينشغل أصحاب القلوب الصافية بإصلاح أنفسهم قبل محاسبة غيرهم
وتتوافق مع هذا المعنى تعاليم قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، الذي يؤكد في عظاته أن المحبة هي أساس استقرار المجتمعات، وأن الكلمة الطيبة تصنع السلام، بينما الكلمة الجارحة قد تهدم علاقات وتزرع الكراهية، كما يدعو دائمًا إلى أن ينشغل الإنسان بإصلاح نفسه قبل أن يحاكم الآخرين، وأن يكون رسولًا للمحبة والتسامح، لا أداة لنقل الشائعات وإشعال الخلافات، فالمحبة تجمع القلوب، أما الكراهية فلا تورث إلا الفرقة والانقسام.

أما المفكر الكبير الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، فقد كان يرى أن النفوس المليئة بالحقد والغيرة لا ترى في الآخرين إلا العيوب، بينما أصحاب القلوب السليمة يلتمسون الأعذار، ويبحثون عن الحقيقة قبل إصدار الأحكام، وكان يؤكد في كتاباته أن الإنسان يرى في الآخرين انعكاسًا لما يحمله داخله، فمن امتلأ قلبه بالمحبة نشرها، ومن امتلأ بالحقد لم ير في الناس إلا السوء.

إن المجتمعات القوية لا تُبنى بالكلام السيئ، ولا بالاتهامات، ولا بالشائعات، وإنما تُبنى بالصدق، وحسن النية، والتسامح، والبحث عن الأعذار، فالإنسان الكريم يفرح إذا رأى الناس متحابين، أما صاحب النفس المظلمة فيحزن إذا رأى الوفاق، ويسعد إذا رأى الخصام.

علينا أن نجعل شعارنا دائمًا قول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، ولنتذكر أن الكلمة قد تبني بيتًا، وقد تهدم أسرة، وقد تجمع قلوبًا، وقد تفرق إخوة وأصدقاء.

ويبقى أصحاب النوايا الحسنة هم الرابحون في الدنيا والآخرة، لأن الله يعلم ما في القلوب، ولا تخفى عليه خافية، أما الذين يصطادون في الماء العكر، ويزرعون الفتن، ويتهمون الناس بغير حق، فإنهم مهما نجحوا في خداع البشر، فلن ينجوا من عدل الله، الذي قال سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

اننا هنا من هذا المقال تناول قضية مجتمعية عامة تمس القيم والأخلاق والعلاقات الإنسانية، ولا نستهدف شخصًا أو جهة أو واقعة بعينها، ولا نقصد الإساءة إلى أي فرد، وإنما نهدف إلى تسليط الضوء على آفة خطيرة تهدد تماسك المجتمع، وتدمر العلاقات الإنسانية، وتغذي الفتنة والكراهية والنميمة وسوء الظن، وهي آفة إذا تُركت دون مواجهة أفسدت النفوس، ومزقت الأسر، وأضعفت تماسك المجتمع.

إن مسؤولية التصدي لهذه السلوكيات لا تقع على عاتق فرد واحد، بل هي مسؤولية الأسرة، ودور العبادة، والمدرسة، والإعلام، وكل صاحب كلمة ورأي، فـ المحبة ، والتسامح، وحسن الظن، والكلمة الطيبة، تُبنى الأوطان، وتستقر المجتمعات، وتبقى القلوب متآلفة كما أرادها الله تعالى. وما كُتب في هذا المقال ليس إلا دعوة صادقة إلى مواجهة هذه الآفة، وترسيخ قيم الخير والإصلاح، لأن الكلمة أمانة، والإصلاح رسالة، والمحبة هي الطريق الأقصر إلى مجتمع آمن ومتماسك.

كاتب المقال الكاتب الصحفى صالح شلبى رئيس مجلس ادارة ورئيس تحرير موقع بوابة الدولة الاخبارية ونائب رئيس شعبة المحررين البرلمانيين

موضوعات متعلقة