الدكتور تامر إسماعيل يكتب: المخلفات.. خط الدفاع الجديد عن أمن الطاقة
لم يعد أمن الطاقة في القرن الحادي والعشرين يقاس بحجم احتياطيات النفط والغاز أو بعدد محطات الكهرباء العملاقة، بل أصبح يقاس بقدرة الدولة على الحفاظ على استمرار الخدمات الأساسية في أصعب الظروف. فحين تتعرض منظومة الطاقة لأزمة مفاجئة، أو تتعطل خطوط الإمداد، أو تتوقف محطة رئيسية عن العمل، لا يكون السؤال: كم نملك من الوقود؟ وإنما: هل نستطيع إبقاء المستشفيات ومحطات المياه وشبكات الاتصالات والمرافق الحيوية تعمل دون انقطاع؟
لقد أثبتت الأزمات العالمية المتلاحقة، سواء الناتجة عن الحروب أو الكوارث الطبيعية أو التغيرات المناخية أو الاضطرابات الجيوسياسية، أن امتلاك مصادر الطاقة وحده لا يكفي لتحقيق الأمان. فقد تمتلك دولة احتياطيات ضخمة من النفط أو الغاز، لكنها تواجه صعوبات إذا تعطلت الموانئ أو أُغلقت خطوط الأنابيب أو تعرضت شبكات الكهرباء لهجمات أو أعطال فنية. كما أن الدول المستوردة للطاقة قد تبرم عقودًا طويلة الأجل، لكن أي اضطراب في سلاسل الإمداد أو ارتفاع تكاليف النقل قد يجعل هذه العقود بلا قيمة عملية في أوقات الأزمات.
ومن هنا تغير مفهوم أمن الطاقة، فلم يعد يقتصر على توفير الوقود، بل أصبح يشمل حماية البنية التحتية، وتأمين شبكات الكهرباء، وتعدد مصادر الطاقة، ووجود بدائل محلية، وسرعة الاستجابة للأعطال، وقدرة الدولة على إدارة الطلب وقت الطوارئ.
واليوم لم تعد الكهرباء تعمل بمعزل عن باقي القطاعات، فهي ترتبط بالمياه والاتصالات والمستشفيات والصناعة والنقل والخدمات الرقمية. ولذلك فإن تعطل جزء واحد من المنظومة قد يؤدي إلى سلسلة من الأزمات المتلاحقة، وهو ما يجعل المرونة واللامركزية عنصرين أساسيين في أي استراتيجية حديثة لأمن الطاقة.
وفي هذا السياق تبرز المخلفات باعتبارها أحد الموارد الوطنية التي لم تحصل بعد على المكانة التي تستحقها داخل منظومة الطاقة. فالمخلفات لا تتولد في الخارج ولا تحتاج إلى موانئ أو خطوط إمداد دولية، بل تنتج يوميًا داخل المدن والقرى والمزارع والمصانع، ويمكن تحويلها من عبء بيئي إلى مصدر اقتصادي وطاقة محلية تدعم استقرار الدولة.
فبقايا الطعام، والمخلفات العضوية، وروث الحيوانات، وحمأة محطات الصرف الصحي، والمخلفات الزراعية، والزيوت المستعملة، وبعض أنواع البلاستيك والإطارات المستهلكة، جميعها يمكن أن تدخل في منظومات صناعية آمنة لإنتاج الغاز الحيوي أو الوقود البديل أو الطاقة الحرارية أو الكهرباء، وفقًا للمعايير البيئية الحديثة.
ولا يعني ذلك أن المخلفات ستكون بديلًا عن النفط أو الغاز الطبيعي أو الشبكة القومية للكهرباء، فهذه رؤية غير واقعية، لكنها تمثل مصدرًا إضافيًا يعزز مرونة النظام ويمنحه قدرة أكبر على الصمود في مواجهة الأزمات، خاصة أنها مورد محلي دائم ومتجدد، يتولد بالقرب من أماكن الاستهلاك ولا يعتمد على الأسواق العالمية.
كما أن الاعتماد على وحدات صغيرة موزعة لإنتاج الطاقة من المخلفات يمثل أحد أهم اتجاهات المستقبل. فبدلًا من الاعتماد الكامل على محطات مركزية ضخمة، يمكن إنشاء وحدات غاز حيوي بالقرب من الأسواق المركزية أو المجازر أو المزارع الكبيرة، أو إقامة منشآت لمعالجة المخلفات العضوية بجوار محطات الصرف الصحي، بما يوفر الكهرباء والحرارة والوقود للمناطق المحيطة، ويقلل تكلفة النقل، ويخفف الضغط على الشبكة القومية.
وهذا لا يعني الاستغناء عن المحطات الكبرى، بل يعني بناء منظومة أكثر مرونة، بحيث لا تتوقف مدينة كاملة بسبب تعطل محطة واحدة أو خط نقل رئيسي. فاللامركزية أصبحت اليوم إحدى أهم أدوات تعزيز أمن الطاقة، لأنها تمنع تحول الأعطال المحدودة إلى أزمات شاملة.
لكن النجاح في هذا المسار يتطلب الالتزام بالتدرج العلمي والاقتصادي. فليس كل ما يُلقى في صناديق القمامة يصلح لإنتاج الطاقة، كما أن الأولوية يجب أن تظل لتقليل إنتاج المخلفات، ثم إعادة استخدامها، ثم إعادة تدويرها، وأخيرًا الاستفادة من الجزء غير القابل للتدوير في إنتاج الطاقة، وفق اشتراطات بيئية صارمة تمنع التلوث وتحافظ على صحة المواطنين.
كما أن نجاح هذه المنظومة يبدأ بعمليات الفرز السليم للمخلفات، لأن خلطها يقلل جودة الوقود المنتج، ويرفع الانبعاثات، ويزيد تكاليف التشغيل والصيانة. ولهذا فإن أي مشروع لإنتاج الطاقة من المخلفات يجب أن يلتزم بأعلى معايير التحكم في الانبعاثات والروائح والمياه الملوثة والمخلفات الثانوية.
ولكي تحقق الدولة أقصى استفادة من هذا المورد، فإنها تحتاج إلى إعداد خريطة وطنية دقيقة توضح كميات المخلفات وأنواعها وأماكن إنتاجها، مع الربط بين وزارات الطاقة والبيئة والزراعة والصناعة والتنمية المحلية، حتى تصبح المخلفات جزءًا من استراتيجية الأمن القومي للطاقة، وليس مجرد ملف مرتبط بالنظافة العامة.
كما ينبغي تشجيع الاستثمار في وحدات الغاز الحيوي والطاقة الحرارية والوقود البديل، وتوطين الصناعات المرتبطة بها، ودعم البحث العلمي لإنتاج معدات محلية تقلل الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة، لأن أمن الطاقة الحقيقي لا يتحقق إذا كانت مكوناته الأساسية تعتمد بالكامل على الخارج.
ولا تقتصر فوائد استغلال المخلفات على إنتاج الطاقة فقط، بل تمتد إلى تقليل كميات المدافن، والحد من الحرق العشوائي، وخفض الانبعاثات، وإنتاج أسمدة عضوية ومواد صناعية قابلة للتسويق، فضلًا عن خلق فرص عمل جديدة في مجالات الجمع والفرز والتشغيل والصيانة والصناعات المرتبطة بإدارة المخلفات.
إن العالم يتجه اليوم إلى بناء منظومات طاقة أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الصدمات، ولم يعد مقبولًا الاعتماد على مصدر واحد أو محطة واحدة أو طريق إمداد واحد. فتنوع المصادر، وكفاءة الاستخدام، والتخزين، واللامركزية، والاستفادة من الموارد المحلية، أصبحت جميعها عناصر أساسية في حماية الأمن القومي.
وفي النهاية، فإن أمن الطاقة الحقيقي لا يُقاس بما تمتلكه الدولة من موارد تحت الأرض، وإنما بما تستطيع الحفاظ عليه عاملًا فوقها. والمخلفات ليست مجرد نفايات يجب التخلص منها، بل مورد استراتيجي قادر على دعم منظومة الطاقة، وتعزيز قدرة الدولة على الصمود، وحماية الخدمات الأساسية وقت الأزمات. إنها ليست الحل الوحيد، لكنها أصبحت جزءًا لا غنى عنه من معادلة الأمن الوطني، وركيزة مهمة في بناء مستقبل أكثر استدامة وأمانًا.
كاتب المقال الأستاذ الدكتور تامر إسماعيل أستاذ الطاقة بكلية الهندسة – جامعة قناة السويس























