المستشار محمد سليم يكتب : مستقبل مصر وصناعة السكر.. الطمأنة واجبة والمخاوف مشروعة
في ظل ما تشهده الدولة المصرية من مشروعات قومية كبرى تستهدف تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الأمن الغذائي، يصبح من الضروري أن يصاحب كل تشريع جديد قدر كبير من الوضوح والشفافية، حتى لا تترك الساحة للشائعات أو التفسيرات الخاطئة التي قد تثير القلق لدى المواطنين، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بقطاع استراتيجي مثل قطاع السكر، الذي يرتبط بشكل مباشر بمستقبل مئات الآلاف من الأسر المصرية.
ومن هذا المنطلق، فإن مشروع القانون المقدم من الحكومة بإصدار قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة يمثل خطوة تشريعية مهمة تهدف إلى منح الجهاز مرونة أكبر في إدارة المشروعات القومية، وتعظيم دوره في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق مستهدفات رؤية مصر 2030. وقد أكد التقرير البرلماني أن المشروع يتوافق مع أحكام الدستور، وخاصة المادتين (27) و(28)، اللتين تنصان على دعم الاستثمار، وتعزيز التنافسية، وتشجيع الإنتاج، وتنظيم الاستيراد والتصدير وفق معايير الحوكمة والشفافية، بما يحقق التوازن بين دور الدولة والقطاع الخاص.
ولذلك، فإننا نؤكد بوضوح أن هذا القانون لن يكون منافسًا لشركات ومصانع السكر، ولن يحول جهاز مستقبل مصر إلى محتكر للاستيراد أو التصدير كما يروج البعض، بل إن فلسفته الأساسية تقوم على دعم الاقتصاد الوطني، وتعزيز الأمن الغذائي، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل جديدة، وليس إزاحة الصناعات الوطنية أو إضعافها.
لكن في الوقت نفسه، لا يجوز تجاهل المخاوف التي يعيشها مزارعو القصب والعاملون في مصانع السكر، خاصة في ظل تأخر صرف مستحقات بعض المزارعين بسبب تراكم الإنتاج داخل المصانع، وهي أزمة ترتبط في جانب منها بزيادة كميات السكر المستورد، وهو ما يستوجب من الحكومة طمأنة الجميع بسياسات واضحة ومتوازنة.
إن صناعة السكر ليست صناعة عادية، بل واحدة من أقدم الصناعات الوطنية وأكثرها ارتباطًا بالأمن الغذائي. فمصر تمتلك ما بين 320 و340 ألف فدان مزروعة بقصب السكر، تتركز غالبيتها في محافظات الصعيد، ويصل إنتاجها إلى أكثر من 15 مليون طن من القصب سنويًا، يتم استخراج ما يقرب من مليون طن من السكر منها، إلى جانب الإنتاج المتزايد من بنجر السكر.
كما يعمل في هذه المنظومة أكثر من 100 ألف عامل بصورة مباشرة وغير مباشرة، سواء في الزراعة أو النقل أو التوريد أو المصانع، وهو ما يجعل هذا القطاع أحد أكبر القطاعات التي توفر فرص العمل في محافظات الصعيد.
وتظل محافظة قنا القلب النابض لصناعة السكر في مصر، إذ تضم نحو 120 ألف فدان مزروعة بقصب السكر، أي ما يقرب من ثلث المساحة المزروعة على مستوى الجمهورية، وتنتج ما يقرب من 35% من إجمالي إنتاج السكر، كما تحتضن ثلاثة من أكبر مصانع السكر وهي نجع حمادي، ودشنا، وقوص.
ولا تقتصر صناعة السكر على هذه المصانع فقط، إذ تمتلك مصر ثمانية مصانع رئيسية لإنتاج سكر القصب، هي: أبو قرقاص بمحافظة المنيا، وجرجا بمحافظة سوهاج، ونجع حمادي ودشنا وقوص بمحافظة قنا، وأرمنت بمحافظة الأقصر، وإدفو بمحافظة أسوان، وكوم أمبو، وهي جميعًا استثمارات وطنية ضخمة أنشأتها الدولة على مدار عقود طويلة، ولا يجوز أن تتعرض للتراجع أو انخفاض معدلات تشغيلها بسبب سياسات قد تؤثر في حجم التوريد المحلي.
ومن هنا، فإن التساؤلات التي يطرحها المزارعون والمصنعون مشروعة: هل سيؤدي التوسع في الاستيراد إلى تراجع الطلب على المحصول المحلي؟ وهل سيشعر الفلاح بالإحباط إذا وجد أن السكر المستورد ينافس إنتاجه؟ وهل تستطيع المصانع الاستمرار بنفس كفاءتها إذا انخفضت كميات القصب والبنجر الموردة إليها؟
هذه الأسئلة لا تعني رفض الاستيراد، فمصر قد تحتاج إليه لسد فجوة حقيقية في بعض الفترات، لكن الاستيراد يجب أن يكون أداة لتحقيق التوازن، لا سياسة دائمة تؤثر في المنتج الوطني، لأن الدول لا تفرط في أمنها الغذائي، ولا تجعل غذاء شعبها رهينًا لتقلبات الأسواق العالمية أو الأزمات الدولية.
ولعل التاريخ يقدم لنا نموذجًا مهمًا في هذا المجال، يتمثل في أحمد عبود باشا، الذي لُقب بـ"إمبراطور السكر"، وكان واحدًا من أبرز رجال الاقتصاد المصري في النصف الأول من القرن العشرين. فقد نجح في بناء صناعة وطنية قوية، وأسهم في تحديث مصانع السكر، والتوسع في الصناعات المرتبطة به مثل الكحول والمنتجات الكيميائية، وكان من أبرز الداعمين لفكرة تمصير الاقتصاد، إيمانًا منه بأن قوة الدولة تبدأ من قوة صناعتها وإنتاجها الوطني.
لقد أدرك عبود باشا منذ عشرات السنين أن صناعة السكر ليست مجرد تجارة تحقق أرباحًا، وإنما ركيزة من ركائز الاقتصاد الوطني، وهو ما أثبتته السنوات، حتى إن هذا القطاع كان يحقق في بعض الفترات عائدًا اقتصاديًا كبيرًا جعل منه أحد أهم مصادر الدخل القومي.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم هو طمأنة المزارعين والمصنعين بأن مشروع قانون جهاز مستقبل مصر لا يستهدف إقصاء أحد، بل يستهدف تحقيق التكامل بين الدولة والقطاع الخاص، ودعم الاستثمار والإنتاج المحلي، مع ضرورة مراجعة سياسات الاستيراد بصورة مستمرة، حتى لا تتأثر الصناعة الوطنية أو يفقد الفلاح الحافز على الاستمرار في الزراعة.
إن حماية الفلاح المصري ليست مطلبًا فئويًا، وإنما قضية أمن قومي، كما أن الحفاظ على مصانع السكر الوطنية هو حفاظ على استثمارات ضخمة وفرص عمل وآلاف الأسر التي تعتمد على هذا القطاع.
وفي النهاية، فإن نجاح مشروع جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة لن يتحقق إلا إذا اقترن بسياسات واضحة تحافظ على المنتج المحلي، وتدعم المزارع، وتشجع الصناعة الوطنية، لأن الأوطان القوية تُبنى بالإنتاج، لا بالاستيراد، وبالمصانع العاملة، لا بالمخازن الممتلئة بالسلع المستوردة. والتوازن بين التنمية وحماية الصناعة الوطنية هو الطريق الحقيقي نحو تحقيق الأمن الغذائي، وتعزيز الاقتصاد المصري، وصون حقوق الأجيال القادمة.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية، وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية السابق بمجلس النواب، والمحامي أمام المحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض.























