بوابة الدولة
الثلاثاء 7 يوليو 2026 12:33 مـ 21 محرّم 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

الكاتب الصحفى محمد طرابيه يكتب : الإعلام ليس سلعة.. منع تأجير الهواء ضرورة وطنية

الكاتب الصحفى محمد طرابيه
الكاتب الصحفى محمد طرابيه

حذرت النائبة والإعلامية لبنى عبد العزيز، عضو مجلس النواب والمذيعة بالتلفزيون المصري من حالة التدهور غير المسبوق التي وصل إليها المشهد الإعلامي، مؤكدة أن السبب الرئيسي يكمن في تحول المهنة إلى "سبوبة" لكل من لا مهنة له.

وقالت في منشور لها على صفحتها الشخصية على الفيس بوك : "كل واحد بقى مش لاقي شغلانة يعملها يسمي نفسه إعلامي ويعمل برنامج، بقت حاجة تقرف. أصبحت مهنة من لا مهنة له إعلاميين السبوبة".

هذا التشخيص المباشر يضع يدنا على جرح الإعلام اليوم.

فما نراه على الشاشات لم يعد إعلاماً بالمعنى المهني بل سوقاً مفتوحة يدخلها من شاء وقتما شاء.

إن ما تشير إليه النائبة هو انعكاس مباشر لظاهرة "تأجير الهواء" عبر بعض الفضائيات. وتتمثل في قيام قنوات بتأجير ساعات بث مقابل مبالغ مالية ليقدم المؤجر ما يشاء من محتوى دون الخضوع لأي معايير مهنية أو رقابية.

وقد فتحت هذه الممارسة الباب أمام دخول عناصر لا صلة لها بالإعلام لا من قريب ولا من بعيد. فظهر على الشاشات "خبراء" لا يفقهون و"أطباء" بلا شهادات و"محللون" يبدلون مواقفهم بتغير الممول.

ونتج عن ذلك أخطاء مهنية فادحة أساءت للمهنة وللرأي العام معاً.

لقد تحولت المنابر التي يفترض أن تشكل الوعي وترشد المجتمع إلى منصات للارتزاق والابتذال وتصفية الحسابات. وأصبح الهدف الأول هو العائد المادى حتى لو كان الثمن تشويه العقول وتضليل الناس.

ومهنة الإعلام ليست مهنة عادية. فالإعلامي يحمل أمانة الكلمة ويخاطب ملايين المواطنين ويؤثر بشكل مباشر في وجدانهم ومعتقداتهم.

لا يمكن لأحد أن يفتح عيادة لأنه دفع الإيجار ولا أن يترافع في المحاكم لأنه ارتدى بدلة المحاماة. فلماذا نسمح بأن يعتلي أي شخص الشاشة ويتحدث باسم الرأي العام فقط لأنه دفع ثمن ساعة؟

هنا يبرز غياب الدور *الحقيقى* لنقابة الإعلاميين والهيئات الرقابية.

فلو كان هناك تفعيل صارم للقوانين وميثاق الشرف الإعلامي لما وصلنا إلى هذا الحد من الانفلات.

فالسماح بظهور أي شخص دون مؤهل أو خبرة أو اختبار مهني هو استهانة بعقل المشاهد وبقدسية المهنة.

إن أي حديث جاد عن إصلاح إعلامي يجب أن يبدأ بمواجهة هذه الظاهرة ووقفها بشكل نهائي.

فمن غير المنطقي أن نتحدث عن إعلام وطني محترف بينما تدار الشاشات بمنطق "من يدفع أكثر يظهر أكثر".

أولى خطوات الإصلاح هي إصدار تشريع واضح يمنع تأجير الهواء نهائياً ويجرم استخدامه كوسيلة للتربح على حساب المصلحة العامة.

والخطوة الثانية هي تفعيل دور نقابة الإعلاميين بحيث لا يسمح بالظهور الإعلامي إلا لمن هم مقيدون بجدولها، وبشروط تشمل المؤهل العلمي المناسب والخبرة واجتياز اختبارات مهنية.

أما الخطوة الثالثة فهي وضع ضوابط صارمة للمحتوى. نحن لسنا ضد حرية التعبير ولكننا ضد فوضى التعبير.

ضد البرامج التي تروج للشائعات والخرافات وتستضيف من لا يملكون الحد الأدنى من التأهيل للحديث في قضايا تمس حياة الناس.

في النهاية .. الإعلام رسالة قبل أن يكون تجارة هو سلطة رابعة مهمتها التنوير والرقابة والمساءلة. وعندما يتحول إلى سلعة يفقد مصداقيته ويفقد الجمهور ثقته فيه.

نحن لا نطالب بإعلام جامد ولا بإعلام فوضوي.

نحن نطالب بإعلام مهني يحترم عقل المواطن ويليق باسم مصر.

فإذا أردنا إعلاماً يليق بنا فالبداية تكون بتطهير الشاشة من الدخلاء وإعادة الاعتبار للمهنة ولمن تعبوا ودرسوا واجتهدوا لسنوات حتى يحملوا هذا اللقب.

كلمة النائبة لبنى عبد العزيز جرس إنذار فهل نستجيب له قبل فوات الأوان؟