النائب أحمد قورة يكتب: الرئيس السيسي والدلتا الجديدة.. ملحمة البناء والتنمية
في لحظة فارقة من تاريخ الدولة المصرية الحديثة، جاءت كلمات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مشروع الدلتا الجديدة، كاشفة لحجم ما يجري على أرض مصر من عمل جاد، وتخطيط استراتيجي، ورؤية وطنية تستهدف بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة، رغم كل الصعوبات والأزمات العالمية.
حديث الرئيس السيسي لم يكن مجرد كلمات تقال في مناسبة افتتاح مشروع زراعي عملاق، بل كان درسًا حقيقيًا في فهم طبيعة الدولة المصرية، وحجم التحديات التي تواجهها، وكيف تتحرك القيادة السياسية بعقل الدولة وليس بمنطق الشعارات أو الأمنيات غير الواقعية.
مشروع الدلتا الجديدة ليس مجرد استصلاح أراضٍ أو إضافة رقعة زراعية جديدة، وإنما هو مشروع قومي متكامل يمثل ملحمة هندسية وتنموية غير مسبوقة، تؤكد أن المصريين عندما تتوافر لهم الإرادة والقيادة والرؤية، يستطيعون تحقيق المستحيل.
الرئيس السيسي كان حريصًا على أن تصل الصورة كاملة للمواطن المصري، ولذلك طالب المسؤولين بشرح كل التفاصيل المتعلقة بالمشروع، بداية من اختيار الأرض، مرورًا بالبنية التحتية العملاقة، ووصولًا إلى شبكات المياه والكهرباء والطرق ومحطات المعالجة والرفع. وهذه الشفافية تؤكد أن الدولة تعمل أمام الشعب، وتريد للمصريين أن يشعروا بالفخر بما يتم إنجازه على أرضهم.
الأرقام التي كشف عنها الرئيس كانت مذهلة بكل المقاييس. الحديث عن تجهيز أكثر من 2.2 مليون فدان، وإنشاء آلاف الكيلومترات من الطرق، وأكثر من 100 ألف برج كهرباء، ومحطات معالجة ورفع عملاقة، وتكلفة تصل إلى نحو 800 مليار جنيه، يؤكد أننا أمام مشروع دولة حقيقي، وليس مجرد مشروع زراعي تقليدي.
الأهم في حديث الرئيس السيسي، هو كشفه لحجم التحدي المرتبط بالمياه، عندما أوضح أن الدولة تتحرك “عكس قوانين الطبيعة”، عبر نقل المياه لمسافات تتجاوز 150 كيلومترًا، واستخدام محطات رفع ومعالجة عملاقة من أجل توفير الحياة لمناطق صحراوية كانت بالأمس القريب مجرد أراضٍ جرداء.
وهنا تتجلى عظمة ما يحدث في مصر، لأن ما كان يتم قديمًا في عهد محمد علي اعتمد على الطبيعة وانحدار المياه، أما اليوم فالدولة المصرية تصنع واقعًا جديدًا بالإرادة والعلم والتكنولوجيا، في مواجهة تحديات ندرة المياه والزيادة السكانية الضخمة.
الرئيس السيسي تحدث بمنتهى الصراحة والواقعية عندما أكد أن فكرة الاكتفاء الذاتي الكامل من كل المحاصيل الزراعية ليست أمرًا سهلًا أو واقعيًا بالنسبة لدولة بحجم مصر يتجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة. وهذه الرسالة في غاية الأهمية، لأنها تضع الأمور في نصابها الحقيقي بعيدًا عن المزايدات والشعارات التي لا تستند إلى العلم أو الإمكانيات المتاحة.
القيادة السياسية لا تبيع الوهم للمصريين، وإنما تتحدث بمنطق الدولة التي تدير مواردها بعقلانية، وتسعى إلى تعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه وكل فدان أرض. ولذلك جاءت فلسفة مشروع الدلتا الجديدة قائمة على “التكامل الزراعي” واختيار المحاصيل الأنسب لكل نوعية أرض، بما يحقق أعلى إنتاجية ممكنة.
ومن هنا نفهم لماذا أكد الرئيس السيسي أن بعض المحاصيل تكون إنتاجيتها أعلى في الأراضي الطينية القديمة، بينما تجود محاصيل أخرى في الأراضي الصحراوية، وهو ما يعكس حجم التخطيط العلمي الدقيق الذي تقوم عليه الدولة في إدارة ملف الزراعة.
كما أن المشروع لا يقتصر فقط على الزراعة، وإنما يرتبط بمنظومة اقتصادية متكاملة تشمل التصنيع الزراعي، وإنشاء الصوامع، وتوفير فرص العمل، حيث يوفر المشروع نحو مليوني فرصة عمل مستقرة، وهو رقم ضخم يعكس التأثير الاجتماعي والاقتصادي الهائل لهذا المشروع القومي العملاق.
ولا يمكن تجاهل الرسالة المهمة التي وجهها الرئيس السيسي بشأن دور القطاع الخاص، عندما أكد أن أكثر من 150 شركة تعمل داخل المشروع، بما يعكس إيمان الدولة بالشراكة مع المستثمرين والقطاع الخاص في تحقيق التنمية.
إن ما يحدث في مشروع الدلتا الجديدة، ومعه مشروعات توشكى وشرق العوينات وسيناء والمنيا وبني سويف، يؤكد أن مصر تخوض معركة تنمية شاملة، هدفها بناء مستقبل مختلف للأجيال القادمة، وتأمين احتياجات الدولة الغذائية، وتوفير فرص العمل، وتحقيق التنمية العمرانية والزراعية والصناعية في وقت واحد.
وفي تقديري، فإن الرسالة الأهم في حديث الرئيس السيسي كانت قوله إن “التنمية لا تنتهي والطموح لا ينتهي”، وهي عبارة تختصر فلسفة الجمهورية الجديدة، التي لا تعرف التوقف أو اليأس، وإنما تؤمن بأن العمل المستمر هو الطريق الوحيد لبناء الأوطان.
لقد نجحت الدولة المصرية خلال السنوات الماضية في تحويل الأحلام إلى واقع، والمستحيل إلى إنجازات ملموسة على الأرض، رغم التحديات الاقتصادية العالمية، والأزمات الإقليمية، والضغوط الهائلة التي تواجهها المنطقة.
ويبقى مشروع الدلتا الجديدة شاهدًا حيًا على أن مصر تتحرك بخطى ثابتة نحو المستقبل، وأن ما يتحقق اليوم لم يكن ليرى النور لولا الإرادة السياسية القوية، وإخلاص مؤسسات الدولة، وعظمة الشعب المصري القادر دائمًا على صناعة المعجزات عندما تتوحد الإرادة الوطنية خلف هدف واحد وهو بناء الوطن.
كاتب المقال النائب أحمد قورة عضو لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب السابق




















.jpeg)


