المستشار محمد سليم يكتب حقاً الدنيا حق انتفاع
سبحان من له الدوام، وكتب على خلقه الفناء، وجعل الدنيا دار مرور لا دار خلود، ومزرعة عمل لا مخزن امتلاك، يا سادة، المسألة أبسط مما نظن، ولكننا نعقدها بأيدينا، ونحارب عليها كأننا سنبقى فيها أبد الدهر.
كنا نظن أننا نملك، ثم اكتشفنا بعد رحلة عمر أننا لا نملك شيئًا، وأن كل ما في أيدينا ليس إلا حق انتفاع مؤقت، ينتهي بانتهاء الأجل، كنت كغيري أقول، هذه شقتي، وهذه سيارتي، وهذه أموالي، وهذه ساعتي، وأتحدث بثقة المالك لا المستعير، حتى جاءت لحظة صدق مع النفس، فوجدت الحقيقة واضحة كالشمس، أنت لا تملك، أنت فقط مستخدم، مستأجر بعقد غير مكتوب، ومدته غير معلومة، وصاحبه الحقيقي لا يغيب عنه شيء،
تأملوا معي هذا المشهد البسيط، عندما تركب القطار أو الطائرة، وتجلس على مقعدك، تشعر أنه مكانك، وربما تغضب إن حاول أحد أن يجلس عليه، وتدافع عنه وكأنه ملكك، لكن الحقيقة أنك دفعت ثمن الانتفاع فقط، لا ثمن الكرسي، دقائق أو ساعات وتنتهي الرحلة، وتقوم تاركًا المكان لمن بعدك، دون أن تلتفت إليه.
هكذا هي الدنيا تمامًا، نفس الفكرة ولكن الفرق أننا لا ننتبه،الشقة التي تقول إنها ملكك، هل ستأخذها معك، السيارة التي تفاخر بها، هل ستسير بها إلى قبرك، الملابس التي تزين بها جسدك، هل ستدخل معك التراب، كلها أشياء مؤقتة، أعطاك الله حق الانتفاع بها، لتؤدي بها دورك في الحياة، لا لتتشبث بها وكأنها جزء من روحك.
وإذا كانت الحقيقة كذلك، فلماذا كل هذا الصراع، لماذا تتفكك الأسر من أجل ميراث، ولماذا يتحول الأخ إلى خصم، والابن إلى عدو، بسبب أشياء لم تكن يومًا ملكًا خالصًا لأحد.
نرى خصومات تمتد لسنوات، وقطيعة رحم، ودعاوى في المحاكم، وقلوب امتلأت بالحقد، وكل ذلك على أشياء ستنتقل من يد إلى يد، ومن جيل إلى جيل، حتى يأتي يوم لا يبقى منها إلا الذكرى، وربما حتى الذكرى تبهت.
يا سادة، من فهم أن الدنيا حق انتفاع، هدأت نفسه، واستراح قلبه، ولم يعد يرى في الأشياء أكثر من كونها وسائل لا غايات، المال وسيلة لا قيمة، البيت ستر لا فخر، السيارة خدمة لا مكانة، والملابس زينة لا هوية، لكننا قلبنا الموازين، فصارت الوسائل أهدافًا، والأشياء أصنامًا، نقيس بها أنفسنا، ونحكم بها على غيرنا.
إن أخطر ما في الأمر ليس امتلاك الأشياء، بل أن تمتلكك الأشياء، أن تصبح عبدًا لما تملك، لا مستخدمًا له، أن تخاف عليه أكثر مما تخاف على نفسك، وأن تحزن لفقده أكثر مما تحزن لفقد القيم.
وهنا تأتي الرسالة الأهم، ما دامت الدنيا حق انتفاع، فاجعل انتفاعك بها فيما يرضي الله، لا فيما يغضبه، استخدم ما أعطاك الله في الخير، لا في الشر، في العطاء لا في البخل، في البناء لا في الهدم، لا مانع أن تملك بيتًا واسعًا، ولكن الأهم أن يكون قلبك أوسع، ولا حرج أن تقود سيارة فاخرة، ولكن الأهم أن تقود نفسك إلى الطريق المستقيم، ولا بأس أن تجمع مالًا، ولكن الخطر أن يجمعك المال ويقيدك.
تذكر دائمًا أن كل ما في يدك سيتركك يومًا، إما أن تتركه أو يتركك، فلا تجعل بينك وبينه علاقة أكبر من حجمه الحقيقي، وإذا أردت راحة البال، فانظر إلى ما في يدك على أنه أمانة لا ملكية، والأمانة تؤدى ولا يتشبث بها، تستخدم ولا يتفاخر بها، وحين يأتي الأجل وهو آت لا محالة، لن يسألك الله كم كان عندك، بل سيسألك ماذا فعلت بما كان عندك، وهنا يظهر الفارق بين من فهم ومن عاش في الوهم، الأول عاش مطمئنًا لأنه يعلم أن كل شيء مؤقت، والثاني عاش قلقًا لأنه يحاول الإمساك بما لا يمسك.
وفي ختام القول، يأتي الميزان الإلهي العادل، قال الله تعالى، ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، فليست الدعوة إلى ترك الدنيا، ولا إلى التعلق بها، بل إلى فهم حقيقتها، أن تجعل ما في يدك طريقًا لما عند الله، لا حجابًا عنه، أن تعيش بها لا لها، وأن تأخذ منها ما يعينك لا ما يثقل قلبك.
الآيةهنا ترسم الطريق، خذ من الدنيا بقدر، واعمل للآخرة بقدر ما تستطيع، اجعل مالك وسيلة لا غاية، وعمرك رسالة لا عادة، ووجودك أثرًا طيبًا يبقى بعدك.
تعيش في الدنيا بجسدك، ولكن قلبك معلق بالآخرة، وتلك هي النجاة، وذلك هو الفوز الحقيقي، لمن أراد أن يفهم، وأراد أن ينجو، قبل أن تنتهي الرحلة ويقوم من على المقعد، تاركًا كل شيء خلفه، وكأنه لم يكن، إلا عمله فقط هو الذي يبقى، ويشهد له أو عليه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالنقض





















.jpeg)


