المستشار محمد سليم يكتب : أجراس الخطر في ملف الزواج
لم يعد الحديث عن أزمة الزواج في مصر رفاهية فكرية أو مادة للجدل الاجتماعي العابر، بل أصبح إنذارًا حقيقيًا يطرق أبواب الدولة والمجتمع معًا. نحن أمام واقع يتشكل ببطء، لكنه يحمل في طياته ملامح أزمة مركبة، تتداخل فيها التشريعات مع العادات، والاقتصاد مع الثقافة، لتنتج معادلة شديدة التعقيد، قد تدفع ثمنها الأجيال القادمة إذا لم يتم تداركها بحكمة واتزان.
إلى السادة نواب مجلس النواب، وإلى كل من يشارك في صياغة مستقبل قانون الأحوال الشخصية، أقولها بوضوح: إن النية في حماية الحقوق لا تكفي وحدها لصناعة قانون ناجح، فالقانون الذي يُبنى على اختلال التوازن، مهما كانت دوافعه نبيلة، قد يتحول إلى عبء، بل إلى عامل طردٍ من مؤسسة الزواج ذاتها.
إن ما نشهده اليوم من حالة قلق متصاعدة بين الشباب تجاه الزواج، ليس وهمًا ولا مبالغة، بل هو انعكاس لشعور حقيقي بأن الدخول في هذه العلاقة بات محفوفًا بمخاطر قانونية ومادية، تتجاوز قدرة كثيرين. فحين يتحول الزواج من مشروع استقرار إلى “ملف مفتوح” من الالتزامات الثقيلة، فإن النتيجة الطبيعية هي التردد، ثم التأجيل، وربما العزوف الكامل.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فإذا استمر هذا المناخ الضاغط، فإننا لا نبالغ حين نتوقع مسارات بديلة خطيرة، قد تبدأ بزيادة الإقبال على الزواج من المطلقات والأرامل هربًا من التعقيدات، وهو ما يخلّ بالتوازن الطبيعي في فرص الزواج، وقد تمتد إلى انتشار أنماط زواج غير موثق، يفتقر إلى الضمانات القانونية، ويهدد حقوق المرأة والطفل على حد سواء. أما السيناريو الأكثر قتامة، فهو اتساع دائرة العلاقات غير الرسمية، بما تحمله من تداعيات أخلاقية واجتماعية مدمرة.
هذه ليست تخيلات، بل نتائج منطقية لأي بيئة تجعل الطريق المشروع صعبًا، بينما تترك الأبواب الخلفية مفتوحة، لكن، ومن باب الإنصاف، لا يجوز أن نُحمّل التشريعات وحدها مسؤولية الأزمة. فالحقيقة أن هناك شريكًا آخر في هذه المعادلة، هو المجتمع ذاته. فالمغالاة في المهور، والمبالغة في قيمة “الشبكة”، وتضخم قائمة المنقولات، كلها ممارسات اجتماعية ساهمت في رفع سقف التوقعات إلى مستويات غير واقعية، حتى بات الزواج في نظر كثيرين مشروعًا اقتصاديًا مرهقًا، لا علاقة له بالبساطة التي قامت عليها هذه المؤسسة في أصلها.
كما أن الضغوط الاقتصادية، من ارتفاع الأسعار، وصعوبة توفير السكن، وعدم استقرار سوق العمل، تلعب دورًا لا يمكن تجاهله. فالشاب الذي يعجز عن تأمين احتياجاته الأساسية، كيف له أن يتحمل أعباء إضافية بهذا الحجم؟
ومع ذلك، تبقى مسؤولية المشرّع مضاعفة، لأنه يملك أدوات ضبط الإيقاع. فالقانون ليس مجرد نصوص جامدة، بل هو رسالة طمأنة للمجتمع، أو رسالة تخويف إذا أسيء تقديره. ومن هنا، فإن أي تعديل في قانون الأحوال الشخصية يجب أن ينطلق من فلسفة التوازن، لا من منطق الانحياز، وأن يضع نصب عينيه هدفًا واضحًا: حماية الأسرة، لا تفكيكها تحت ضغط الاحتراز المبالغ فيه.
إن المطلوب اليوم ليس تقليص حقوق المرأة، ولا الانتقاص من ضماناتها، فهذا أمر مرفوض دستوريًا وأخلاقيًا، ولكن المطلوب هو صياغة هذه الحقوق في إطار عادل، لا يُشعر الطرف الآخر بأنه مهدد أو مستهدف. فالزواج شراكة، لا ساحة صراع، والقانون يجب أن يعكس هذه الحقيقة، لا أن يطمسها.
كما أنني أوجه رسالة صريحة إلى المجتمع: لا تنتظروا من القوانين أن تُصلح كل شيء، بينما تستمرون في تكريس عادات تُعقّد المشهد. إن التيسير في الزواج ليس خيارًا تجميليًا، بل ضرورة مجتمعية، لحماية أبنائنا من الانزلاق إلى مسارات لا تُحمد عقباها.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري إطلاق حوار مجتمعي حقيقي، تشارك فيه مؤسسات الدولة، ورجال الدين، والإعلام، والخبراء، لإعادة صياغة ثقافة الزواج بما يتناسب مع الواقع، دون التفريط في القيم.
ختامًا، فإن أجراس الخطر قد دقّت بالفعل، ولم يعد هناك مجال للتأجيل أو المجاملة. فكل يوم يمر دون معالجة جادة، يضيف طبقة جديدة من التعقيد، ويُقربنا خطوة من واقع لا نريده جميعًا.
إنها مسؤولية مشتركة، تبدأ من تحت قبة البرلمان، ولا تنتهي عند أبواب كل بيت مصري. فإما أن نُحسن إدارة هذه اللحظة، ونصنع توازنًا يحمي الأسرة ويشجع على تكوينها، أو نترك الأمور تنزلق تدريجيًا نحو بدائل تُهدد استقرار المجتمع في صميمه، والاختيار، لم يعد يحتمل التأجيل.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالنقض





















.jpeg)


