المستشار محمد سليم يكتب : عندما استولت أم كلثوم على مفاتيح باريس
في خريف 1967، لم يكن حفل أم كلثوم في مسرح الأوليمبيا مجرد مناسبة غنائية، بل كان زلزالًا سياسيًا وثقافيًا هز أوروبا، وأثبت أن صوت الشرق قادر على مواجهة الهزيمة والانكسار، متحديًا كل من يظن أن الغرب يسيطر على الثقافة والوعي.
قبل عام من هذا الحدث، كان برونو كوكاتريس، مدير مسرح الأوليمبيا، يبحث عن “صوت من الشرق” يضيفه إلى سجله الذي شهد عمالقة مثل البيتلز وإديث بياف، وجاء إلى القاهرة متعجرفًا، متوهمًا أن الشرق يحتاج إذن الغرب للاعتراف به، واتجه مباشرة إلى وزير الثقافة المصري ثروت عكاشة طالبًا اسمًا يليق بالمسرح، ولم يتردد الوزير، ولم يقترح أي بديل، بل قال اسم واحد فقط: أم كلثوم، ليكون الصوت العربي في قلب أوروبا، وليثبت أن الشرق ليس تابعًا، بل سيد حضارته.
سأل الرجل الأوروبي مستهزئًا: «هل هي راقصة شرقية أم مطربة استعراضية؟»، فرد الوزير بثقة مصرية صلبة كالرصاصة «ستعرف قيمتها عندما تغني على مسرحك»، وهكذا، قبل أن تطأ الست خشبة المسرح بباريس ، كان الشرق قد فرض احترامه، ووضعت مصر نفسها في قلب التاريخ.
ذهب كوكاتريس إلى بيت كوكب الشرق أم كلثوم في الزمالك وواجه أول صدمة،أجرها أربعة عشر ألف جنيه إسترليني، أعلى من أي مطربة فرنسية، بما فيها إديث بياف، لم يساوم، لم يخفض، لم يُظهر خوفًا، انسحب مرتبكًا وعاد إلى الوزير، الذي قال له ببساطة «وافق مهما طلبت، وستحقق أكبر مكسب تاريخي».
ثم جاءت نكسة يونيو 1967، الوطن الجريح، الهزيمة العسكرية، الذهول العربي، وارتبك كوكاتريس، كيف يمكن أن يغني أحدهم، وكيف يقبل الجمهور العربي الحضور في زمن الانكسار؟ لكن الست لم تتراجع «أنا على اتفاقي أربعة عشر ألف جنيه إسترليني ولن أرجع في كلمتي».
قبل الحفل، أجرت حوارًا تلفزيونيًا، جلست وتكلمت بعقل وحزم، بلا توسّل ولا ضعف، وفي اليوم التالي حدثت المفاجأة، طوابير امتدت عبر شوارع باريس، من فرنسا إلى ألمانيا وإنجلترا، ومن الخليج إلى شمال أفريقيا، السوق السوداء اشتعلت، التذاكر نفدت في دقائق، الأسعار تضاعفت عشرات المرات، ولأول مرة في تاريخ الأوليمبيا، فُتحت أماكن للوقوف وبيعت هي الأخرى بأسعار أعلى من المقاعد، الجمهور لم يكن يشتري حفلة بل يشتري لحظة تاريخية تثبت أن الشرق لا يُقهَر وأن صوت مصر أقوى من أي جيش أو مدفع.
هناك مواقف لا تُنسى، رجل خليجي ثري حاول شراء صف أول بـ 5000 فرنك، وعندما علم أن المسرح كامل، أخرج مسدسه وهدد بالانتحار إذا لم يُسمح له بالدخول، الجنون الجميل حول “الست” وصل إلى ذروته، ولم تقتصر المفاجآت على العرب فقط، الملك حسين ملك الأردن حضر متنكراً مع رجال حاشيته ليكون شاهدًا على الأسطورة، متخفيًا بين الجمهور، مندهشًا بعظمة صوت مصر، أما المفارقة التي أذهلت أوروبا، فهي حضور مئات اليهود من شمال إفريقيا رغم علمهم أن أم كلثوم جاءت لدعم الجيش المصري ضد إسرائيل، اضطر مدير المسرح الفرنسي لاستدعاء الشرطة خشية أي تصادم.
13 نوفمبر 1967، الساعة 9:25 مساءً، ارتفع الستار، ظهرت أم كلثوم بفستان أخضر، منديل ذهبي، حضور لا يُقاوم، تصفيق هستيري دام سبع دقائق، الجمهور لم يستطع الجلوس، وقف الجميع، من عرب وأوروبيين على حد سواء، بدأ الحفل بـ«أنت عمري»، ساعة من السحر والسلطنة الخالصة، ثم «الأطلال»، وعند جملة: «أعطني حريتي .. أطلق يديا» كتبت الصحافة الفرنسية، هذه ليست أغنية، هذه صرخة حرية مصرية في وجه كل من يظن أن الشرق مجرد تابع.
المعجزة لم تكن في العرب فقط، بل الأوروبيون بكوا رغم أنهم لم يفهموا كلمة عربية واحدة، جيرار ديبارديو قال بعد خمسين سنة «بكيت رغم أنني لم أفهم حرفًا واحد»، لأن العظمة لا تُترجَم، العظمة تُحسّ قبل أن تُفهم.
خمس ساعات كاملة، ثلاث أغنيات فقط، أعلى دخل مالي في تاريخ الأوليمبيا وأكثر احترام عالمي لأي فنان شرقي، «لوموند» قالت، عندما تغني ملكة الفن المصري، تتمايل الرؤوس كما تتمايل النخيل على ضفاف النيل، «الجارديان» أكدت لا يوجد فنانة غربية تقارن بها، صوتها قوة طبيعية لا يُقهر.
وبعد الحفل، لم تبحث عن تكريم أو ثناء، أول جملة نطقتها كانت: «طيارة مصر إمتى؟»، كانت تريد العودة لتحويل هذا النجاح إلى دعم المجهود الحربي، طلبت من فرقتها ألا تشترى هدايا من باريس: «اشتروها من مصر، البلد محتاجة عملة».
واحتفاءً بالسيدة أم كلثوم، أبلغتها البعثة الدبلوماسية المصرية المرافقة لها أن برنامج الزيارة لم ينتهِ بعد، وأن العودة الفورية إلى القاهرة ستتأجل، بعدما تجاوز ما جرى على مسرح الأوليمبيا كونه حفلاً غنائيًا ناجحًا، وتحول إلى حدث سياسي وثقافي فرض نفسه على مؤسسات الدولة الفرنسية. فقد تقرر تنظيم حفل رسمي خاص على شرفها، دعت إليه مصلحة السياحة الفرنسية، بحضور السفير المصري في باريس، وكبار المسؤولين والشخصيات العامة الفرنسية، في اعتراف صريح بأن صوتًا جاء من الشرق الجريح استطاع أن يفرض هيبته في قلب أوروبا.
شارل ديجول يحيّي أم كلثوم: صوتكِ حرّك قلوب الفرنسيين
وفي الحفل الرسمي الذي أُقيم تكريمًا لها في فندق «جورج الخامس»، تليت برقية خاصة من الرئيس الفرنسي شارل ديجول جاء فيها: «مع صوتك، تزداد اهتزازات قلبي وقلوب كل الفرنسيين… مرحبًا بكِ في فرنسا، لقد حققتِ نجاحًا عظيمًا»، بينما تقدّم أحد كبار المسؤولين الفرنسيين ليقدّم لها باقة من الزهور قائلًا: «لقد استولت آخر ملكة لمصر على مفاتيح باريس في خريف عام 1967».
الجارديان البريطانية: أم كلثوم ظاهرة فنية لا نظير لها في الغرب
ولم يكن ذلك الاحتفاء لحظة عابرة، فبعد عقود، عادت صحيفة «الجارديان» البريطانية في تقرير موسّع عام 2020 لتؤكد أن أم كلثوم ليست مجرد مطربة عربية ناجحة، بل ظاهرة فنية وإنسانية لا يوجد لها أي نظير في الغرب، مشيرة إلى أن العالم العربي لم يعرف فنانة حازت هذا القدر من الإجماع والمحبة والقداسة الشعبية عبر الأجيال.
وتوقفت الصحيفة أمام القدرات الصوتية الاستثنائية للست أم كلثوم ، مؤكدة أن حنجرتها تمتلك قوة نادرة قادرة على إنتاج نحو 14 ألف اهتزازة صوتية في الثانية الواحدة، وهو رقم يتجاوز أعظم الأصوات الأوبرالية في التاريخ الغربي، وعلى رأسها ماريا كالاس التي لا تتجاوز قدرتها الصوتية نحو 9 آلاف ذبذبة في الثانية.
وهكذا لم تكن ليلة الأوليمبيا مجرد حفل طرب، بل بيانًا حضاريًا بصوت امرأة، ورسالة تقول إن الأمم لا تُقاس بما تخسره في الحروب فقط، بل بما تملكه من روح وقدرة على الوقوف من جديد؛ ففي تلك الليلة لم تغنِّ أم كلثوم لباريس، بل أنصتت لها باريس، ولم تذهب تطلب اعترافًا، بل منحها العالم إجلاله، لتقف ست واحدة على مسرح أوروبي وتعيد كتابة معنى الكرامة، مؤكدة أن الصوت الذي يحمل هوية أمة لا يُهزم،وأن التاريخ قد يُكتب بالدم أحيانًا، لكنه يُخلَّد بالصوت حين يكون اسمه أم كلثوم
اليوم، نقول إن آخر ملكة لمصر استولت على مفاتيح باريس، لكن الحقيقة أعظم: أم كلثوم لم تفتح مدينة، بل فتحت عصرًا كاملًا، وأثبتت أن مصر قد تُجرح لكنها لا تُقهَر، وأن صوتها أعلى من أي احتلال، أي هزيمة، وأي استعلاء غربي.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية لفض المنازعات بين الدول العربية وعضو الجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق
























