الكاتب الصحفى محمود الشاذلى يكتب : نعــم .. تعب كلها الحياه فماأعجب إلا من راغب فى إزدياد .
بات من الطبيعى أن أخلد إلى نفسى أوقاتا كثيره أسترجع فيها الماضى بأدق تفاصيله ، ومجريات أحداثه ، وتفاصيل وقائعه حتى أشخاصه هؤلاء العظماء أساتذتى الأجلاء الفضلاء من المرحله الإبتدائيه وحتى بلاط صاحبة الجلاله الصحافه هؤلاء الذين رسخوا فى اليقين أن الدنيا بخير لشموخهم وعظمتهم ونبل مقصدهم رحمهم الله تعالى ، يتعاظم هذا النهج يوم الجمعه المبارك ، والذى فيه أنتبه أننى كلما إقتربت بعمق لأحوال أهالينا الطيبين فى القلب منهم أسيادى المرضى أتذكر قول أبو العلاء المعرى الشاعر والفيلسوف والكاتب العربي العباسي البارز ، " تَعَبُ كُلّها الحَياةُ فَما أعْجَبُ إلاّ مِنْ راغبٍ في ازْديادِ ، إنّ حُزْناً في ساعةِ المَوْتِ أضْعَافُ سُرُورٍ في ساعَةِ الميلادِ " ليس هذا منطلقه دروشه ، أو إحباط بل ترسيخا لليقين بأهمية الثبات على المبدأ والوضوح والشفافيه فى حياة الناس وتعظيم جبر الخاطر وإحتواء الضعفاء .
غاصت تلك المعانى النبيله فى كيانى وإنصهرت فى وجدانى بعد أن أصبح الثبات على المبدأ في زمن المتغيرات السريعة والمصالح المتبادلة عملة نادرة ، بما يعنى أن يكون للإنسان "بوصلة أخلاقية" ثابثة لا تتغير بتغير الظروف أو المصالح الشخصية ، واليقين بأن الوضوح والشفافية هما أساس بناء الثقة بين البشر ، لأنه عندما يتعامل الناس بوضوح تختفي الصراعات غير المبررة ، وتصبح العلاقات الإنسانية والعملية أكثر نضجاً وإنتاجية ، بالمجمل ماأطرحه يهدف إلى بناء مجتمع قوي ومتماسك أخلاقياً ؛ مجتمع يجمع بين صلابة المبدأ والوضوح في التعامل ، وبين لين الجانب والرحمة بالآخرين لأن هذا يدفع لأسلوب حياة متوازن يضمن للإنسان سلامته النفسية ويترك أثراً طيباً في حياة من حوله .
يدفعنى ترسيخ هذا النهج الحياتى الممزوج بالإنسانيه والواقعيه أننا نعيش الآن فى تيه حتى أننا لم يعد يشعر أحدنا بفضل النعمة عليه إلا بعد زوالها ، فربما يعيش أحدنا كئيبا طوال الوقت لمجرد أنه لم يحصل على مبتغاه من المنصب ، والمال ، والمكانه الإجتماعيه ، إلا أنه ومع أول شعور بالألم لمجرد نزلة برد خفيفة قد يشعر بأهمية نعمة الصحة ، فما باله إذا ذهب سمعه أو بصره ، وما باله إذا فقد أولاده فى فاجعه من فواجع القدر ، وما باله إذا كان فقيرا متعافيا ولكن متمردا على فقره ، فتذهب عافيته أيضا ، فوقتها حتما سيتذكرأنه كان في رغد من نعم الله عليه ، ولكنه تمرد عليها فأذهبها الله منه .
بحق الله تنتابنى حاله من الزهد حتى فى الحياه ذاتها ، وأصبحت لاأشعر حتى بلذة الطعام ، والحرص على تحمل أى مسئوليه شعبيه ، بل إننى كثيرا ماأضحك على الأحوال عندما كان الصراع لتولى منصب رفيع بالصحافه ، وكيف كان الصراع على الترقيه قبل أن أصبح منذ سنين نائبا لرئيس التحرير بصحيفه قوميه يوميه ، وكذلك الصراع الدامى فى الإنتخابات البرلمانيه الذى يمتزج بالتطاحنات ، وينطلق من الإشاعات ، لكن ماذا بعد ، لاشيىء سوى العمل الصالح ، بل أدركت أن المتعه الحقيقيه ليست فيما وصلت إليه من مكانه وظيفيه رفيعه فى بلاط صاحبة الجلاله الصحافه ، ولامكانه شعبيه كنائبا بالبرلمان عن المعارضه الوطنيه الشريفه والنظيفه حيث الوفد فى زمن الشموخ ، نائبا خرج بكل فخر من رحم الشعب بإراده شعبيه حقيقيه ، وليس فى إطار تنازلات ، أو توازنات ، أو رجاءات ، أو إنبطاحات ، متعايشا مع ذكريات زياراتى لكل دوله من دول العالم فى مهمات صحفيه فى آسيا ، وأوروبا ، وأفريقيا ، بل المتعه الحقيقيه أن أكون خادما لأسيادى المرضى البسطاء والفقراء الذين لايمتلكون حتى ثمن الكشف بعيادة طبيب ، هؤلاء دائما أدعو الله تعالى أن يسخرنى ويستعملنى وينعم على شخصى بأن أكون سببا في أن أزود عنهم كل مكروه وسوء ، وأن يعيننى على تحدى الظالمين من أجل رفع ظلم وقع عليهم . ولعل مصدر السعاده فى اليقين بعظم الأجر الذى أتلقاه وهو أجر لايقدر عليه بشر لأنه من رب البشر لذا أجدد النيه دائما فى كل عمل أقدمه .
لعل من نعم الله تعالى على شخصى أننى لم تعد تنتابنى حيره ، أوالشعور بالقلق من أى أمر أستشعر أنه قد يمس وضعى السياسى ، أو يؤثر على مكانتى الحزبيه فى ظل الساسه الجدد والسياسه ” الكيوت ” ، كما لم أعد أتأثر بوشاية كاره ، أو تآمر حاقد حتى ولو إنطلقت من شخبطة كلمات على أوراق يظن معها من حررها أنه بذلك يكون قد مهد الطريق لمشتاق لمكانه سياسيه ، أو موقع برلمانى ، دون إدراك منه أننى زهدت حتى فى عضوية البرلمان ، ولم يعد يشغلنى إلا العطاء لأهلى دون حاجه لأصواتهم ، بل إننى كثيرا ماأدعو الله تعالى أن يعافينى من بلاء عضوية البرلمان ، وبفضل الله وحده كثيرا مايعطينى رب العالمين سبحانه دروسا ليستقر اليقين أنه سبحانه للكون رب ، لتتجلى عظمته عزوجل أن مد فى عمرى لأرى من تعجب بإبتسامه خفيفه ساخره من قولى فى حوار معه أن للكون رب ، وقد سلبت منه السلطه ، وتوارى عن الأنظار ، وبات لايستطيع أن يظهر حتى فى الواجبات الإجتماعيه ، بعد أن كان ملىء السمع والبصر .
خلاصة القول يكفينى حالة الرضا التى تنتابنى حتى أصبحت لاأركن للراحه ، ولاأستحضر السعاده ، ولاتتملكنى السكينه إلا فى رحاب الأحباب الذين هم نبض القلب وكل الكيان ، الذين بهم ومعهم وفى رحابهم يستقر اليقين أن الدنيا بخير ، ولن ينعدم منها الأكارم الفضلاء ، بل إن إدراك نعمة الله تعالى فى تقديرى يحدد معالمها مايحاط به الإنسان من أحباب ، ويالاروعة الحياه عندما تغمض الأعين وقد إنتهت بصورة من أحببناهم مستقره فى الأعماق . دمتم طيبين وبخير .
الكاتب الصحفى محمود الشاذلى نائب رئيس تحرير جريدة الجمهوريه عضو مجلس النواب السابق .

























