النائب أحمد قورة يكتب: الأمم المتحدة تنتفض.. انسحاب جماعي يضع نتنياهو وإسرائيل في عزلة
لم يكن المشهد الذي شهدته قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة مع بدء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلقاء كلمته مجرد لحظة بروتوكولية عابرة، فقد تحولت القاعة إلى صورة تختصر مشهدا دوليا بالغ الدلالة، بعدما غادرت وفود عشرات الدول مقاعدها مع اعتلاء نتنياهو المنصة، في احتجاج دبلوماسي لافت على السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية والحرب الدائرة في قطاع غزة، بينما واصل نتنياهو خطابه أمام قاعة بدا فيها عدد كبير من المقاعد خاليا، في مشهد حظي باهتمام دولي واسع.
وهنا لا يمكن قراءة مشهد الانسحاب الجماعي بمعزل عن التحولات التي شهدها الموقف الدولي تجاه إسرائيل خلال الفترة الأخيرة، فالصورة التي خرجت من نيويورك لم تكن مجرد خروج وفود من قاعة، وإنما تعبير عن اتساع مساحة الخلاف بين الحكومة الإسرائيلية وعدد متزايد من الدول بشأن الحرب في غزة، والاستيطان في الضفة الغربية، ومستقبل الدولة الفلسطينية، ومدى الالتزام بقواعد القانون الدولي.
واللافت أن هذا المشهد جاء في قلب المؤسسة التي يفترض أنها تمثل أوسع تجمع دولي، وفي مناسبة يحضرها قادة العالم وممثلو الدول، الأمر الذي منح الانسحاب دلالة سياسية واضحة، حتى وإن اختلفت الدول المشاركة فيه في دوافعها وتقديراتها، إذ بقيت وفود أخرى داخل القاعة، من بينها الوفدان الأميركي والألماني وعدد من الوفود الأوروبية، وهو ما يعكس أيضا استمرار الانقسام الدولي بشأن إسرائيل وحربها في المنطقة.
وتزامن ذلك مع احتجاجات واسعة في محيط مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك، حيث تجمع مئات المحتجين رفضا لزيارة نتنياهو وخطابه، وتدخلت شرطة نيويورك لفض تجمعات قالت إنها عطلت حركة المرور، وأعلنت مصادر أميركية توقيف أكثر من مئة متظاهر، بينما أفادت رويترز في وقت سابق باعتقال ما لا يقل عن 30 شخصا، من بينهم شخصيات عامة وسياسيون، وهو ما يعكس حجم الجدل الذي صاحب زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى نيويورك.
وفي خلفية هذا المشهد تقف أيضا مذكرة الاعتقال التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 بحق نتنياهو، والتي قالت المحكمة إنها تستند إلى وجود أسباب معقولة للاشتباه في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بينما ترفض إسرائيل هذه الاتهامات وتؤكد أنها تدافع عن نفسها في مواجهة حركة حماس.
وهكذا يجد نتنياهو نفسه أمام مفارقة سياسية وقانونية شديدة الوضوح، فهو يقف على منصة الأمم المتحدة لعرض الرواية الإسرائيلية أمام المجتمع الدولي، في الوقت الذي أصبحت فيه مواقف دولية عديدة أكثر انتقادا لسياسات حكومته، فيما تتسع دائرة الدول التي تعلن إجراءات تتعلق بالمستوطنات الإسرائيلية أو تدعم قيام دولة فلسطينية.
ولم تكن بريطانيا بعيدة عن هذا التحول، إذ أعلنت حكومة رئيس الوزراء آندي بيرنهام موقفا يعتبر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، كما اتخذت لندن إجراءات تتعلق بالتجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وقال بيرنهام إن التوسع الاستيطاني يهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، مؤكدا في الوقت نفسه أن المخاطر التي تواجه إسرائيل لا تبرر ما تقوم به حكومتها في غزة والضفة الغربية.
ومن البرازيل جاءت رسالة أخرى لا تقل وضوحا، إذ قال الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا خلال افتتاح أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة إن استمرار بناء المستوطنات في الضفة الغربية يجعل حل الدولتين أقل قابلية للتحقق، وتحدث عن الآلام والصدمات التي ستبقى لدى أجيال من الفلسطينيين نتيجة الحرب في غزة، كما انتقد ما وصفه بمحاولات تقويض عمل المحكمة الجنائية الدولية.
أما العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، فقد وضع غزة والضفة الغربية في إطار سياسي واحد، محذرا من أن ما يجري على الأرض لا يمكن التعامل معه باعتباره أحداثا منفصلة، ومشيرا إلى مخاطر تهجير الفلسطينيين وتوسيع الاستيطان والاستيلاء على الأراضي، في موقف يعكس استمرار الضغط العربي والدولي باتجاه وقف الحرب والحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية.
وفي الوقت نفسه، شهدت الأمم المتحدة تطورا لافتا بشأن المشاركة الفلسطينية، بعدما صوتت الجمعية العامة بأغلبية 152 دولة لصالح السماح للرئيس الفلسطيني محمود عباس بإلقاء كلمته عبر الفيديو، مقابل ثلاثة أصوات رافضة وأربع دول امتنعت عن التصويت، وذلك بعد رفض الولايات المتحدة منحه تأشيرة دخول إلى نيويورك للعام الثاني على التوالي.
إن المشهد كله يطرح سؤالا أكبر من مجرد انسحاب وفود أو خطاب لرئيس حكومة، وهو: إلى أين يتجه الموقف الدولي من إسرائيل؟ الإجابة لا يمكن اختزالها في موقف واحد أو في نتيجة تصويت منفرد، لكن المؤشرات المتراكمة تقول إن مساحة الانتقاد الدولي للسياسات الإسرائيلية اتسعت، وإن ملف غزة والاستيطان والقضية الفلسطينية بات يحتل مساحة أكبر في الحسابات الدبلوماسية للدول، وإن إسرائيل تواجه في المحافل الدولية نقاشا متزايدا حول سلوك حكومتها ومدى التزامها بالقانون الدولي.
ولعل الصورة الأكثر تعبيرا كانت داخل قاعة الجمعية العامة نفسها، حيث تحدث نتنياهو من منصة يفترض أن تجمع العالم، بينما كانت مقاعد عديدة تخلو تباعا مع مغادرة وفودها، لتصبح لحظة الانسحاب الجماعي واحدة من أكثر مشاهد الدورة الحالية إثارة للجدل، ليس لأنها أنهت الخلاف، وإنما لأنها كشفت بوضوح حجم الفجوة المتزايدة بين إسرائيل وعدد من الحكومات والمجتمعات الدولية بشأن مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وفي النهاية، فإن ما جرى في نيويورك لا يعني أن المجتمع الدولي بات على موقف واحد من إسرائيل، ولا يعني أن الخلافات الدولية قد حسمت، لكنه يؤكد أن القضية الفلسطينية لم تعد ملفا هامشيا في الحسابات الدولية، وأن الحرب في غزة والاستيطان والاحتلال أصبحت ملفات حاضرة بقوة في الخطاب الدبلوماسي، فيما يبقى التحدي الحقيقي أمام المجتمع الدولي هو تحويل المواقف والتصريحات والاحتجاجات إلى مسار سياسي وقانوني قادر على حماية المدنيين، وإنهاء الحرب، والحفاظ على الحقوق الفلسطينية والإسرائيلية في إطار حل سياسي مستدام.
كاتب المقال النائب أحمد قورة عضو لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب السابق



























