الكاتب الصحفي سيد جاد يكتب: البابل شيت بين العدالة الإلكترونية وضياع الدرجات
منذ تطبيق نظام «البابل شيت» في امتحانات الثانوية العامة عام 2021، أصبح النظام حديث الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين، خاصة أنه أعاد الامتحان إلى الورقة والقلم بعد سنوات من الاعتماد على التابلت والبوكليت، وفتح في الوقت نفسه جدلا واسعا حول مدى قدرته على تحقيق العدالة التي وعدت بها وزارة التربية والتعليم. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل نجح البابل شيت فعلا في تحقيق العدالة الإلكترونية، أم تحول إلى سبب جديد يمكن أن تضيع بسببه درجات الطالب ومجهود عام كامل؟ ما هو نظام البابل شيت؟ ببساطة، البابل شيت هو ورقة إجابة مطبوعة تتضمن دوائر أمام أرقام الأسئلة، ويحصل الطالب على ورقة للأسئلة وأخرى للإجابة، ويقوم بتظليل الدائرة التي يختارها بالقلم الجاف، ثم تتم عملية التصحيح إلكترونيا باستخدام أجهزة المسح الضوئي، بعيدا عن التدخل البشري المباشر. ويعتمد النظام في صورته الحالية على نسبة كبيرة من أسئلة الاختيار من متعدد، إلى جانب نسبة من الأسئلة المقالية، بهدف الجمع بين سرعة التصحيح الإلكتروني وقياس بعض جوانب الفهم والتحليل. التخمين.. هل يصبح بديلا عن المعرفة؟ أحد أبرز الانتقادات التي يطرحها الطلاب والمعلمون هو أن أسئلة الاختيار من متعدد تفتح باب التخمين، فالطالب الذي لا يعرف الإجابة يمكنه اختيار أحد البدائل، وقد تصادفه الإجابة الصحيحة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة النظام على قياس المستوى الحقيقي للطالب. فالبابل شيت لا يقيس في أسئلة الاختيار من متعدد قدرة الطالب على التعبير أو كتابة خطوات الحل أو تقديم البرهان، وإنما يركز في النهاية على اختيار الإجابة الصحيحة وتظليلها بالشكل المطلوب. الغلطة بجول.. وأخطاء فنية قد تضيع درجات في البابل شيت قد تتحول الغلطة الصغيرة إلى مشكلة كبيرة، فتظليل الدائرة بشكل غير واضح، أو تظليل إجابتين في سؤال واحد، أو استخدام الكوريكتور، أو تسجيل رقم جلوس بطريقة خاطئة، كلها أمور يمكن أن تؤثر على عملية التصحيح الإلكتروني. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: هل من العدل أن تضيع درجة الطالب بسبب خطأ فني في التظليل، رغم أنه قد يكون يعرف الإجابة بالفعل؟ وهل تكفي إجراءات التظلم الحالية لمنح الطالب فرصة حقيقية للتأكد من حصوله على حقه؟ هل يقيس البابل شيت نواتج التعلم؟ تؤكد فلسفة النظام أن الهدف هو قياس الفهم وليس الحفظ، لكن التحدي الحقيقي يكمن في طبيعة بنك الأسئلة نفسه، فإذا أصبحت الأسئلة تعتمد على أنماط متكررة يمكن للطالب حفظ طريقة التعامل معها، فإن النظام قد يتحول من وسيلة لقياس الفهم إلى وسيلة جديدة لحفظ أنماط الأسئلة. ولهذا فإن تطوير بنك الأسئلة يجب أن يكون أولوية أساسية، بحيث تقيس الأسئلة قدرة الطالب على الفهم والتحليل والاستنتاج وتطبيق المعلومات، وليس مجرد تذكر الإجابة أو التعرف عليها بين عدة بدائل. ضغط الوقت والتوتر هناك أيضا مشكلة ضغط الوقت، فالطالب لا يكتفي بحل السؤال، وإنما يحتاج إلى نقل الإجابة إلى ورقة البابل شيت وتظليلها ثم مراجعة بياناته وإجاباته، وهو ما يزيد من الضغط النفسي، خاصة في المواد العلمية التي تحتاج إلى وقت كاف للتفكير والحساب والمراجعة. وقد يكون الطالب عارفا للإجابة، لكنه يقع تحت ضغط الوقت فيخطئ أثناء النقل أو التظليل، فتضيع منه درجة كان يستحقها. ورغم الانتقادات.. للبابل شيت مميزات ومع كل هذه الملاحظات، لا يمكن إنكار أن للبابل شيت مميزات مهمة، أبرزها تحقيق قدر كبير من العدالة في التصحيح من خلال تقليل أخطاء التصحيح البشري، والحد من أي تدخلات شخصية، إلى جانب سرعة التصحيح وظهور النتائج. كما أن تنويع نماذج الأسئلة يساعد على مكافحة الغش داخل اللجان، ويجعل فرص تبادل الإجابات أكثر صعوبة، وهو ما يمثل ميزة مهمة في امتحان بحجم وأهمية الثانوية العامة. المشكلة ليست في البابل شيت وحده في النهاية، البابل شيت ليس هو المشكلة في حد ذاته، وإنما تكمن المشكلة في طريقة استخدامه، ومدى تدريب الطلاب عليه، وطبيعة الأسئلة التي يتم وضعها، وآليات التعامل مع الأخطاء الفنية والتظلمات. فالطالب الذي يتدرب جيدا على طريقة التظليل، ويراجع بياناته، ويدرك قواعد الإجابة، تقل احتمالات وقوعه في الأخطاء الفنية. وفي المقابل، فإن تطوير نظام الامتحانات يجب أن يسير بالتوازي مع تطوير بنك الأسئلة، حتى يكون الهدف الحقيقي هو قياس الفهم والتفكير وليس مجرد اختيار دائرة صحيحة. رسالة إلى طلاب الثانوية والبكالوريا 2026/2027 رسالتي إلى طلاب الثانوية العامة والبكالوريا: لا تنتظروا الامتحان حتى تتعرفوا على البابل شيت، بل تدربوا عليه من الآن، وتعلموا الطريقة الصحيحة للتظليل، وراجعوا بياناتكم قبل بدء الإجابة، ولا تتركوا سؤالا دون إجابة إذا كانت قواعد الامتحان تسمح بذلك، والأهم أن تتعاملوا مع البابل شيت باعتباره جزءا من الامتحان يحتاج إلى التدريب مثلما تحتاجون إلى مذاكرة المنهج نفسه. الكلمات المفتاحية: البابل شيت - الثانوية العامة - امتحانات الثانوية العامة - وزارة التربية والتعليم - التصحيح الإلكتروني - طلاب الثانوية - البكالوريا المصرية

















.jpeg)





