بوابة الدولة
السبت 1 أغسطس 2026 10:23 مـ 16 صفر 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية
ارتفاع حصيلة ضحايا الغارات الإسرائيلية على غزة إلى 7 شهداء منذ صباح اليوم إعلام عبرى: ترامب على وشك إصدار أمر بشن هجوم عسكري واسع ضد إيران رئيس طرابزون سبور التركي يحسم الجدل بشأن تعاقد ناديه مع محمد صلاح إحالة المتهم بقتل طليقته فى المنوفية إلى فضيلة المفتى «الصحة» تنفي إغلاق وحدات صحية بالمنيا تزامنًا مع التشغيل التجريبي للتأمين الصحي الشامل| صور العثور على جثمان شاب أمام مسجد بقرية منشأة عبد الله فى الفيوم «100 يوم صحة» تنطلق بالقاهرة للكشف المبكر عن الأمراض وعلاجها مجانًا انطلاق فعاليات «100 يوم صحة» للعام الرابع على التوالي في البحر الأحمر| صور تراجع جديد في سعر الذهب اليوم السبت.. تحديث لحظي لجميع الأعيرة بدء تشغيل موقف الكيت كات الحضارى لخدمة أهالى إمبابة والعجوزة والمنيرة وزير الري يتلقى تقريرًا فنيًا لمعاينة أضرار خزان ”جبل الأولياء” بالسودان «الصحة» تنفي إغلاق وحدات صحية بالمنيا.. وتؤكد: 390 منشأة تعمل بكامل طاقتها

دكتور فؤاد منير يكتب قيمة الباحث لا تقاس بكثرة الصفحات وإنما بقدر ما يتر كة من أثر فى الفكر

الدكتور  فؤاد منير أستاذ  القانون
الدكتور فؤاد منير أستاذ القانون

رحم الله الأستاذ الدكتور عمر السعيد رمضان، فقد كان من رجال القانون الذين جمعوا بين صرامة العالم وبصيرة الفقيه، فترك تراثا علميا يحمل اسمه، ويشهد بأن الفكر القانوني لا يموت بموت صاحبه، وإنما يبقى ما بقيت كتبه تنير للعقول طريق الفهم، وللباحثين سبيل الدقة، وللعدالة ميزانها الرفيع.

نعم ليست كل الكتب سواء، فهناك مؤلفات تولد في زمنها ثم تمضي، وهناك مؤلفات تتجاوز لحظة الميلاد لتصبح جزءا من الذاكرة العلمية للقانون. ومن هذا الطراز الثاني يأتي كتاب نسبية اثار الطعن في الحكم الجنائي في التشريعين المصري واللبناني للأستاذ الدكتور عمر السعيد رمضان، أستاذ القانون الجنائي بجامعتي القاهرة وبيروت العربية، الصادر سنة ١٩٧١.

هذا الكتاب من المصنفات التي لا يكفي فيها النظر إلى عنوانها، لأن وراء العنوان بناء فكريا دقيقا، ومساحة واسعة من التأمل في فلسفة العدالة الجنائية. فهو لم يتناول الطعن باعتباره مجرد إجراء من إجراءات الخصومة، بل بحث في روحه وغايته وحدوده، وكشف عن العلاقة الدقيقة بين حق الإنسان في مراجعة الحكم، وبين ضرورة أن يبقى القضاء مستقرا لا تهزه الرغبات ولا تعبث به الاحتمالات.

لقد أدرك الفقيه الكبير أن الحكم الجنائي ليس مجرد ورقة تحمل منطوقا، بل هو نتيجة ميزان دقيق اجتمعت فيه أدلة ودفوع ومراكز قانونية، ولذلك فإن الطعن عليه لا يمكن أن يكون أثرا مطلقا ينفتح على غير نهاية، وإنما هو طريق تحكمه قواعد العدالة ذاتها. فكما أن القانون يمنح باب المراجعة، فإنه يضع له حارسا من الضوابط حتى لا يتحول الإصلاح إلى اضطراب، ولا يتحول ضمان الحق إلى مساس باستقرار الأحكام.

ومن هنا تظهر دقة فكرة "النسبية" التي عالجها المؤلف؛ فهي ليست نسبية نقص أو عجز، بل نسبية تنظيم وضبط. فالأثر الذي يرتبه الطعن لا يمتد بغير حدود، وإنما يتحرك في الدائرة التي رسمها المشرع، فيبقى الحكم محلا للفحص بقدر الحاجة، وتبقى العدالة بعيدة عن الإفراط والتفريط.

لقد قدم الدكتور عمر السعيد رمضان معالجة لا تبحث عن سهولة العبارة بقدر ما تبحث عن عمق الفكرة، فكان يضع المسألة أمام العقل القانوني كما توضع القضية أمام منصة القضاء: تفكيكا وتحليلا وموازنة. لم يكن همه جمع النصوص، وإنما الكشف عن الحكمة الكامنة خلفها، لأن القانون عند الفقهاء الكبار ليس ألفاظا جامدة، بل ميزان تتحرك كفتاه بين الحق والنظام.

إن هذا المؤلف يكشف عن مدرسة في البحث الجنائي؛ مدرسة ترى أن قيمة الباحث لا تقاس بكثرة الصفحات، وإنما بقدر ما يتركه من أثر في الفكر. فهناك من يكتب ليملأ الورق، وهناك من يكتب ليترك علامة في طريق العلم، وهذا الكتاب من النوع الذي يجعل القارئ يعود إليه لا بحثا عن معلومة فحسب، بل بحثا عن طريقة تفكير.