د. محمود فوزي يكتب: الأهلي وفجوات المقارنة المعيارية
فارق كبير بين اللهجة العاطفية للجمهور؛ التي تهيمن عليها الاتهامات والألفاظ الانفعالية، وبين لغة العلم التي تتسم بالموضوعية، وتجنب التحيزات الإدراكية أو العاطفية، ومن ثم فإن نتائج التشخيص الواقعي لأزمة فريق الكرة بالنادي الأهلي؛ تشير لمساحة غير ضئيلة من العشوائية، والعبث الإداري، والافتقار لمقاييس التقييم، والتخطيط الموضوعي لملف كرة القدم.
من الخطأ والسطحية إدارة الأندية الرياضية بمعزل عن دورها الاجتماعي، والتربوي، فهي أحد أجهزة التنشئة الاجتماعية؛ التي تضطلع بدور قويم في التأهيل، والتعليم، وهذا هو الجوهر الرئيس لعملية انتقاء اللاعبين، وإعداد البراعم والناشئين ذوي الولاء، والانتماء للنادي، ممن تربوا في أرجائه، ونهلوا من قيمه، وأدركوا معاني التضحية، والإخلاص، والتفاني، والإيثار من أجل الفريق؛ الذي ترتقي أهدافه، وتسموا غاياته فوق المصالح الشخصية للأفراد؛ سواء كانوا لاعبين، أو مدربين، أو إداريين.
لقد بدأت أولى حلقات الانهيار الكروي؛ عندما اتخذ مجلس الإدارة قرارًا بالانسحاب من مباراته مع الزمالك؛ غضون مارس 2025م، ولا عزاء للإدارة الرياضية التي أرادت تسجيل بطولة وهمية ركيكة؛ على حساب المشجعين الصائمين الذين ذهبوا- من مختلف محافظات الجمهورية- لستاد القاهرة، ليفاجئوا بعدم حضور فريقها، بعد أن أهدروا الكثير من الأموال؛ لتشجيع ناد؛ لم يبال متخذو القرار بإهدار كرامة مشجعيه؛ ليسجل التاريخ هزيمة مدوية للأهلي بنتيجة 3-صفر؛ نظير انسحابه، وتوقيع عقوبات مالية ضخمة، وتأزم موقف النادي في المنافسة على لقب الدوري؛ تلك البطولة التي حصدها بأخطاء منافسيه.
لقد تلا هذا العبث انبراء الإدارة في عقد العديد من الصفقات الكيدية لأنصاف نجوم؛ بعد أن أصبح النادي مرتعًا لراغبي الثراء السريع؛ وبالطبع لا يمتلك هؤلاء "الإداريين" مثقال ذرة من علم الموارد البشرية؛ كي يفقهوا بديهيات التكيف النفسي للاعب المنضم حديثًا؛ كي يشعر بدافعية الإنجاز، والتمكين الذهني والوجداني، والانغماس التدريجي مع شخصية النادي وهويته، بعد أن صار جزءًا من صورته الذهنية، وعلامته التجارية، وقيمته التسويقية، لكنهم تفرغوا في تدليل لاعبين؛ يهمين علي معظمهم العديد من السمات الميكيافلية؛ حيث الانتهازية، والأنانية، وحب الظهور، لتتشرذم قوى الفريق، ويتحول لأشلاء منهكة في جسد مهلك.
لا أقدم في مقالي حلًا سحريًا، لأن المكشلة أخلاقية بالأساس، تكمن في سلوك المواطنة التنظيمية لهذا الكيان العريق الذي يعاني من خمول ضمائر قياداته، فلم ينتبهوا لأهمية لجان البحث والتطوير؛ انطلاقًا من ممارسات المقارنة المعيارية "المرجعية" القائمة على أسس التحليل، والتخطيط، والتنفيذ؛ وفقًا لمؤشرات قياسية؛ لتقييم الأداء، وتحديد نقاط القوة والضعف، وإرساء إستراتييجات التحسين والتطوير، وتعزيز القدرة التنافسية للفريق؛ مقارنة بأحد الشركاء المرجعيين؛ الذي يمثل المثل الأعلى لأفضل الممارسات المعيارية في ذات الصناعة الرياضية، كأن يكون أحد الأندية العالمية بالدوريات الأوروبية الكبرى؛ بموجب بروتوكول تعاون، ومذكرات تفاهم مشتركة معه؛ يتولى إبرامها مسئولو البحث والتطوير.
ولا تقوم المقارنة المعيارية على التبني والنقل المباشر للممارسات؛ نظرًا لاختلاف السياق وبيئة العمل لشركاء المقارنة المرجعية؛ بل ترتكز على أبعاد التحليل التنافسي، وجمع البيانات المعيارية؛ لاستنباط عوامل التمكين التي يمكن توظيفها في تحديد هوية الاتجاهات المستقبلية بمختلف ملفات الإدارة الرياضية: (الرعاية، تعاقدات اللاعبين/ المدربين، قطاع الناشئين، التذاكر، نظم التحفيز والعقاب، الهوية الاتصالية للنادي وصورته الذهنية، المشتريات، البنى التحتية والخدمات اللوجيستية، الاتصال الداخلي والخارجي، الفريق الطبي، البث الإعلامي..الخ).
تشير الأدبيات البحثية في علوم الإدارة إلى توظيف شركة "زيروكس" لأسلوب المقارنة المعيارية؛ كي تتحول في غضون عشر سنوات من شركة مهددة بالإفلاس إلى عملاق صناعي ضخم؛ يحصد كافة جوائز التميز والجودة الأوروبية والأمريكية، لكن ستظل الأفكار المنهجية، والرؤي العلمية حبيسة الكتب؛ إن لم توقظ ضمائر المسئولين؛ كي يغيروا ما بأنفسهم من ضلالات التعصب الفكري، والتحيز الإدراكي لمصالحهم الشخصية على حساب الكيان.
بسم الله الرحمن الرحيم
(إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11)
صدق الله العظيم




















.jpeg)


