المستشار محمد سليم يكتب : خبرة الحياة.. خلاصةالتجارب
من السهل جدًا أن نعطي نصائح وإرشادات للآخرين، ومن السهل أن تتكرر هذه النصائح على شكل كلام محفوظ أو عبارات سمعناها يومًا من معلمينا، أو آبائنا وأمهاتنا، أو من الشيوخ الأجلاء في عائلاتنا، عندما كنا صبية ، في مقتبل العمر.
من السهل أيضًا أن تقول لشخص: "هذا خطأ"، أو "هذا لا يجوز"، لأنك تعتقد بذلك، دون أن تختبر الخطأ حقًا، أو تعرف طبيعة الصواب، ودون أن تختبرك الحياة، وتدفعك عجلاتها إلى الأرض صدماتًا وأحداثًا، تكشف لك حقيقة ما كنت تعتقده من قبل.
إن الإنسان بلا تلك التجارب والخبرات، يظل هشًا وضعيفًا، وربما فارغًا من المعنى الحقيقي للخبرة. فتلك التجارب هي التي تفتح أعيننا على اتساع العالم، وقلوبنا على الألم، ونفوسنا على ما جبلت عليه من تقوى وفجور. وما لم تُعرف النفس حقيقتها وحقيقة المعرفة، فإن الإنسان يظل كصندوق فارغ، أو شيء راقٍ، يسمع دويّه عن بعد إذا انقلب على أرض صلبة، لكنه لا يعرف ما داخله حقًا.
عندما نقرأ أو نستمع إلى دروس يلقيها من عاشوا الحياة طويلاً، فإننا لا نعيش حياتهم حرفيًا، لكننا نعايش الأزمنة التي لم يُمنحنا القدر الفرصة لنكون فيها، ونرى ما كان من أمر أهلها وأمر أحداثها. كل حياة طويلة عادة ما تصنع ما يطلق عليه البشر بعد زمن: "حكمة". وهذه الحكمة تصبح مرجعًا للناس في أماكن وأزمنة مختلفة، لأنها نابعة من تجربة حقيقية ممتدة، ومحصلة معاناة وصبر وفهم. فإذا عاش الإنسان مئة عام، فإن ما يكتسبه من خبرة ومعرفة، يفوق مجرد الطرافة أو الانبهار؛ إنه عصير حياة كاملة، مركّز، يمتزج فيه العقل بالقلب، والتجربة بالمعرفة.
هؤلاء الذين عاشوا أكثر من مئة عام، ليسوا فقط فلاسفة أو حكماء، بل هم سجلات حية لتاريخ الإنسانية، لأن الزمن الهادر لا يقذفنا بالأحداث والتقلبات الكبرى فحسب، بل يغير أنماط حياتنا وسلوكنا في كل شيء. سنواتنا الحالية ليست كما كانت سنوات التسعينيات، ولا كما كانت السبعينيات، فما بالك بالسنوات الأولى من القرن العشرين! فكل عقد من الزمن يحمل في طياته معطيات مختلفة، ومتغيرات لا يمكن تجاهلها، وتحولات في الفكر والعلاقات وأنماط العيش، تجعل من تجربة كل جيل كتابًا مفتوحًا للحياة، وما يحمل من حكم وعبر.
ولنأخذ مثالًا شخصًا أو عائلة عاشوا هذا القرن كله، كم جربوا من أنماط حياة وعلاقات وطرق تفكير، وكم واجهوا من تحديات وصعوبات! هؤلاء الذين عاشوا عمرًا طويلًا، هم من يحق لهم أن يكتبوا ويُلقيوا دروسهم، لا على أساس أنها الوصفة النهائية للحياة، بل على أساس أنها عصير تجاربهم، وسرّ تعلمهم القدرة على احتمال الحياة، والتغلب على معوقاتها، واستثمار فرصها.
إننا غالبًا ما نخدع أنفسنا بالوصفات السريعة، وبالعقل النظري الذي لم يُمتحن على أرض الواقع. نقول: "يجب أن يكون كذا"، أو "هذا خطأ"، أو "هذا الطريق هو الصواب"، دون أن نعرف الصعوبات الحقيقية التي قد تعترض طريق من يعيش تلك التجربة. إن ما يعطينا الإنسان الذي عاش طويلاً هو ما يمكن أن نسميه "الذكاء الحي"، و"الحكمة المقبولة"، و"الخبرة المُتقدة"، فهي توليفة من الفهم العميق للنفس وللآخرين وللأحداث، شيء لا يمكن أن يكتسب إلا بالممارسة والتجربة والتعرض للصدمات والخسائر والانكسارات.
الحياة لا تُعلّمنا من خلال الكتب أو المقالات وحدها، بل تُعلّمنا من خلال سقوطنا، ومن خلال ما نختبره من ألم وفقدان ونجاح وفشل. الخبرة التي تُكتسب بهذا الشكل، هي التي تجعل الإنسان قادرًا على تقديم النصح، لا على أساس أنه يحفظ أقوالًا مأثورة، بل لأنه عاش المواقف وعرف أثقالها وأبعادها، وعرف ما يليق وما لا يليق.
لذلك، لا تقلّل من قيمة من عاشوا طويلاً، وكن حذرًا من الذين يقدّمون النصائح دون أن يحملوا خبرة حقيقية. الخبرة ليست عدد السنوات في العمر، بل هي ما صقلته الأحداث في النفس، وما تمخض عن التجربة من فهم صادق للحياة. فكل نصيحة تأتي من قلب مليء بالتجربة، لها وزنها الحقيقي، وكل نصيحة تأتي من عقل نظري، بلا اختبار، فهي مجرد كلمات، لا تغني ولا تسمن من جوع.
وفي النهاية، الحياة ليست كتابًا يمكن قراءته مرة واحدة، ولا وصفة يمكن اتباعها حرفيًا، هي تجربة مستمرة، مليئة بالتقلبات، ومن عاشها طويلاً، وعلّمته دروبها، يقدم لنا خلاصة خبراته، لكي نستفيد منه في اجتياز تحدياتنا، لا كي نحفظه كحروف جامدة، بل كي نعيه ونتعلم كيف نعيش الحياة بوعي وصبر، ونواجه صعوباتها بفهم ومعرفة.
إن المستشار أو المفكر أو الإنسان الذي عاش طويلاً، هو بمثابة مرشد على الطريق، يعطيك الخريطة، لكنه لا يمشي بك، فالمشي في الطريق كله علينا نحن، والتجربة الحقيقية تبقى لنا نحن، لنصنع منها حكمتنا وفهمنا للحياة.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالنقض



















.jpeg)


