المستشار محمد سليم يكتب : أخيراً إنتهاء كابوس «كوبري السيدة عائشة»
أخيرًا وبعد سنوات طويلة من الصراخ والعويل وكثرة الحوادث والجنازات ، تبدأ محافظة القاهرة، أعمال فك وإزالة كوبري السيدة عائشة، الكابوس الذي ظل يؤرق سكان القاهرة لأكثر من 46 عامًا، الكوبري الذي شُيّد عام 1979 بمنحة بلجيكية على أنقاض مقابر تاريخية ومكان مدافن سيدي جلال، قرب مسجد السيدة عائشة العريق ومحيط بقايا التربة السلطانية التي تعود للقرن الثامن الهجري ومنارة قيسون وقلعة صلاح الدين ومسجد مسيح باشا ومسجد الغوري، ما جعله جزءًا من نسيج تراثي إسلامي فريد، ومع مرور السنوات تحول اسمه في الذاكرة الشعبية إلى «كوبري الموت» بسبب الحوادث المتكررة والأساطير التي أحاطت به منذ اللحظة الأولى، وساد بين الناس حديث عن لعنة الأرواح التي أُزيلت قبورها أثناء البناء حتى قيل إن المهندس المصمم أصيب بالشلل عقابًا له على إزعاج الموتى.
وسجلت وسائل الإعلام الرسمية الحقيقة المزدوجة بين الأسطورة والواقع حيث نقلت صحيفة الجمهورية في الثمانينيات تصريحات العقيد حسن إسماعيل، رئيس وحدة مرور قطاع جنوب القاهرة، عن وجود عيوب في منحنى الكوبري واقترح توسيع الطريق السطحي وهو ما تعذر تنفيذه بسبب الطبيعة الأثرية للمنطقة، بينما أجرى حوار جريدة الوفد في يونيو 1995 مع المهندس إبراهيم الدميري وكيل كلية الهندسة بجامعة عين شمس الذي أوضح أنه صمم الكوبري ضمن قيود شديدة أبرزها وجود مسجد السيدة عائشة وسور مجرى العيون الأثري ما أجبرهم على استخدام نصف قطر دوران محدد ،وذكر التمويل البلجيكي وطريقة التركيب التي استغرقت أسبوعين فقط ، أما جريدة الأخبار فقد نشرت في نوفمبر 2002 تقريرًا عن ثلاثة أخطاء قاتلة في التصميم تضمنت شدّة المنحنى وارتفاع السور والتصميم الذي يشجع على السرعة مع الإشارة إلى أن المهندس المصمم أصبح لاحقًا وزير نقل متسائلين عن سبب عدم اعترافه بالخطأ، بينما أكدت روزاليوسف عام 2008 أن الكوبري يتوسط مجموعة ضخمة من الآثار الإسلامية ودعت إلى إزالته للحفاظ على التراث.
طوال هذه العقود ظل الكوبري مسرحًا لحوادث متكررة سجلت في بعض السنوات أكثر من 255 حادثًا ما جعل المطالبات بإزالته أو استبداله بنفق يحترم الأرواح والتراث تتكرر مرارًا دون تنفيذ، واليوم مع بدء تفكيكه تُطوى صفحة سوداء من ذاكرة القاهرة صفحة امتزج فيها الإهمال بالعناد وفشل المسؤولين في اتخاذ القرار الصائب منذ عقود، فإزالة كوبري السيدة عائشة ليست مجرد إزالة هياكل حديدية بل تصحيح هندسي وإنساني وحضاري وطي صفحة أسطورة اللعنة التي رافقت القلوب والموتى على حد سواء، وأخيرًا بعد أكثر من أربعة عقود تتنفس السيدة عائشة والمساجد والمقابر المحيطة الصعداء وتنفس معها سكان القاهرة معلنة نهاية كابوس العمر ونهاية واحدة من أكثر الفصول السوداء في تاريخ البنية التحتية المصرية.ومع إزالة هذا الكابوس تبدأ مرحلة جديدة من التشغيل التجريبى، لمحور صلاح سالم البديل الذي نفذته الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بالتعاون مع محافظة القاهرة، وذلك فى المسافة من منطقة القلعة حتى الفسطاط بطول حوالى ٣كم، ضمن جهود الدولة لتطوير منطقة السيدة عائشة، وحل المشاكل المرورية وتيسير حركة المرور بها تمهيدًا لفك وإزالة كوبري السيدة عائشة.
حيث يخدم المحور الجديد فى الاتجاه القادم من حديقة الأزهر إلى صلاح سالم ثلاث نزلات، النزلة الأولى إلى سوق الحمام ثم السيدة عائشة، والنزلة الثانية تؤدى إلى محور الحضارات، والنزلة الثالثة تؤدي إلى نادى الأبطال ثم إلى مصر القديمة.
وبالنسبة للاتجاه القادم من مصر القديمة ومحور الحضارات يوجد منزل لنفق الإمام الشافعى، ومنزل لشارع الخلا بالتونسى ثم الى طريق الأوتوستراد، كما يوجد منزل للأباجية ثم السير فى نفس الطريق ليؤدى إلى صلاح سالم مرة أخرى.
تأتي إزالة الكوبري تماشيًا مع توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، التي تؤكد على تطوير القاهرة بما يحفظ أرواح المواطنين ويصون التراث ويعيد الجمال للمدن التاريخية، وتعكس حرص الدولة على تحقيق الانضباط والآمان في الطرق والمباني والحفاظ على نسيج التراث الإسلامي المحيط بميدان السيدة عائشة.
ومع سقوط هذا الكابوس الحديدى الذي ظل يهدد الأرواح ويشوّه المعالم التاريخية، نتنفس الصعداء جميعًا، ونرى أمام أعيننا بداية فصل جديد من الأمن والسلام والجمال في قلب القاهرة، وفي النهاية ندعو الله العلي العظيم أن يحفظ القاهرة وسكانها من كل سوء وأن يرفع عن مدننا كل خطر وبلاء وأن يجعل ما مضى عبرة لمن يتعامل مع تاريخ وحياة الناس باستهتار، وأن ينعم على أهلها بالأمان والسلام وأن تبقى أرواح الأولياء والقديسين التي ارتبطت بهذه الأرض محفوظة برعايته، فاللهم اجعل كل خطوة في تطوير هذه المدينة المباركة سببًا في الخير والطمأنينة وراحة الضمير لكل من عاش فيها وعبر فوق طرقها، واجعل القاهرة دومًا مدينة أمن وأمان وحفظًا للتراث وللأجيال القادمة.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية لفض المنازعات وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالنقض
























