معرفة بلا حواجز، رحلة في عالم الكتب بين سور الأزبكية وشارع النبي دانيال
في قلب القاهرة، وعلى بُعد خطوات من ميدان العتبة، يمتد سور الأزبكية كأقدم سوق شعبي للكتاب في مصر، بينما يقفشارع النبي في وسط الإسكندرية شاهدًا على تاريخ موازٍ للمعرفة الشعبية.
المكانان رغم المسافة التي تفصل بينهما، يشبهان فصلين في كتاب واحد؛ كتابٌ عاش مع القراء البسطاء، ورافق الطلبة، واحتفظ بذاكرة عشرات السنين من التحولات الثقافية والاجتماعية.
وما بين القاهرة والإسكندرية، ظل الورق هو الرابط الأقوى، الرابط الذي يؤكد أن المعرفة في مصر وُلدت على الرصيف، وظل جمهورها الأوسع دائمًا هو القارئ الفقير.
الأزبكية حيث بدأ كل شيء
على مدار أكثر من قرن، ظل سور الأزبكية مساحة مفتوحة للثقافة الشعبية، ومختبرًا لصناعة الكتاب خارج المؤسسات الرسمية. لم يكن المكان يومًا مجرد سوق، بلمكتبة الشعب التي تتسع للجميع: الطالب الذي يبحث عن كتاب مرجعي بسعر مناسب، والقارئ الذي يفتش عن طبعة قديمة لرواية منسية، والباحث الذي يطارد أثرًا ثقافيًا لم يعد يُطبع.
تاريخ السور بدأ بباعة متجولين يفترشون الأرض حول حديقة الأزبكية، قبل أن يتحوّل في الستينيات والسبعينيات إلى أهم أسواق الكتب المستعملة في الشرق الأوسط. هنا كانت تُباع الطبعات النادرة، مجلات الخمسينيات، وأعداد “الهلال” و“المصور” و“روز اليوسف” القديمة، وتجد كتبًا اختفت من المكتبات منذ عقود.
ومع موجة القراء الجدد، أصبح السور مرجعًا أساسيًا لطلاب الجامعات. لا يخلو يوم من مشهد طالب يحمل قائمة “كتب التيرم” ويبحث عن أرخص نسخة، أو شاب يقلب رفوفًا خشبية مليئة بكتب مترجمة، أو باحث يساوم على سعر كتاب أكاديمي لم يعد موجودًا إلا في هذا المكان.
النبي دانيال كتاب على طرف البحر
في الإسكندرية، وعلى بُعد خطوات من محطة الرمل، يقف شارع النبي دانيال كنسخة متوسطية من سور الأزبكية. ورغم اختلاف الإيقاع بين المدينتين، إلا أن روح المكان واحدة: كتاب شعبي… ومعرفة بلا حواجز.
بدأت مكتبات النبي دانيال في منتصف القرن الماضي، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى أكبر تجمع للكتب المستعملة في المدينة. هنا تتجاور الروايات مع كتب الفلسفة، والمجلدات الأجنبية مع كتب التاريخ المحلي، وتجد مزيجًا يُشبه الإسكندرية نفسها: مدينة عاش فيها اليونانيون والإيطاليون واليهود والمصريون، وترك كل منهم أثرًا على الرفوف.
يختلف النبي دانيال عن الأزبكية في شكل العرض، لكنه يتطابق معه في الجوهر: كتاب لكل شخص، ولكل ميزانية. يمكنك أن تجد كتبًا بخمسة جنيهات، إلى جوار طبعات قديمة قد يصل ثمنها إلى آلاف، وكتبًا نادرة هاجرت من القاهرة لتستقر هنا، أو العكس.
كتاب لكل ميزانية حين يصبح الورق هو ديمقراطية المعرفة
الجامع الأهم بين المكانين هو تلك الفكرة التي صنعت تاريخهما:
المعرفة ليست ترفًا… بل حقًا شعبيًا.
لم يبتكر السور أو النبي دانيال شكلًا جديدًا للكتاب، لكنهما ابتكرا نظام توزيع آخر؛ نظام شعبي يقوم على إعادة تدوير المعرفة، وإتاحتها لأكبر عدد ممكن من القراء.
الطالب الذي لا يستطيع شراء كتاب بثمانمائة جنيه في مكتبة راقية، يجد النسخة نفسها في الأزبكية بنصف السعر أو أقل.
الشاب الذي يخطو خطواته الأولى في القراءة، يبدأ غالبًا من رواية “مستعملة” اشتراها من النبي دانيال.
والقارئ الذي يبحث عن التراث، يعرف أن الرفوف القديمة في السور هي الملاذ الأخير.
هذه الفكرة – “كتاب لكل ميزانية” – لم تحافظ فقط على بقاء السوقين، بل صنعت جمهورًا كاملًا من القراء الذين لولاها لما قدروا أن يدخلوا عالم القراءة من الأساس.
الطالب الضيف الدائم على الأرصفة
منذ الستينيات وحتى اليوم، ظل السور والنبي دانيال هما بيت الطالب المصري.
في بداية كل فصل دراسي، تبدأ رحلة “الصيد”: قوائم كتب، أبحاث، مراجع قديمة، ملخصات، ونسخ كان يستحيل على الطلبة شراؤها من المكتبات التجارية.
وعلى الأرصفة، تتكوّن علاقة فريدة بين البائع والطالب:
البائع يعرف اسم الكلية، والطالب يعرف أي مكتبة يمتلك النسخة الأرخص، وبينهما تفاوض طويل يختلط فيه العلم بالفكاهة.
إنهما ليسا مجرد مكانين لبيع الكتب، بل ذاكرة جماعية لطلاب أجيال كاملة، ممن وقفوا بين هذه الرفوف يطاردون مستقبلهم العلمي.
بين القاهرة والإسكندرية كتاب واحد يهاجر بين مدينتين
العلاقة بين السوقين ليست تشابهًا فقط، بل شبكة حقيقية تتحرك فيها الكتب بين المدينتين.
يخبرك بعض بائعي النبي دانيال أنهم يشترون بضاعتهم من الأزبكية.
ويؤكد بائعون في القاهرة أنهم أحيانًا يرسلون “شحنات” من الكتب إلى الإسكندرية.
وبين المدينتين، يقطع الكتاب رحلته الخاصة: طبعة نادرة تبدأ صباحها على رصيف في العتبة، وتنتهي مساءً على رف خشبي في محطة الرمل.
إنه مشهد يليق بفكرة واحدة: الورق لا يعرف الجغرافيا… بل يعرف القارئ فقط.
حين يصبح الرصيف هو الجامعة الأولى
سور الأزبكية وشارع النبي دانيال ليسا مجرد مكانين لبيع الكتب، بل هما مدرستان مفتوحتان للمعرفة المصرية. مدرستان أثبتتا أن القارئ الفقير ليس قارئًا ناقصًا، وأن الطالب الذي يشتري نسخته المستعملة ليس أقل شغفًا أو ذكاءً، بل هو الأكثر قدرة على صناعة مستقبله رغم كل التحديات.
وحين نقول إنهما “ملجأ القارئ الفقير وصديق الطالب”، فنحن لا نمدح مكانين فقط، بل نوثق قصة مصرية أصيلة، تقول إن الثقافة التي تُولد على الرصيف… تستطيع أن تعيش طويلًا، بلا دعم رسمي، وبلا واجهات رخامية، فقط بقوة القراء الذين يؤمنون أن الكتاب هو الرفيق الأول… والأبقى.
























