الكاتب الصحفى صالح شلبى يكتب :ماذا سيفعل ترامب غدًا؟
لم يعد الخوف مجرد إحساس عابر يمر على شاشات الأخبار، بل أصبح حالة عالمية كاملة، تزحف ببطء إلى العواصم، وتطرق أبواب القصور الرئاسية، وتوقظ كوابيس الدول قبل أن توقظ شعوبها.
عندما يتحدث دونالد ترامب، لا يفعل ذلك بلسان رئيس دولة، بل بصوت إعصار سياسي، لا يعترف بقانون دولي، ولا يحترم سيادة، ولا يتوقف كثيرًا أمام الشرعية الأممية، كلمات قليلة منه كفيلة بقلب خرائط، وإشعال نزاعات، وتحويل دول مستقلة إلى ملفات جاهزة للتدخل أو الاجتياح تحت مسمى “إعادة البناء”.
تهديد ترامب الأخير لم يكن زلة لسان أو تصريحًا عابرًا، بل إعلانًا صريحًا عن مرحلة جديدة من الهيمنة.
حين قال إن فنزويلا قد لا تكون الدولة الأخيرة التي تخضع للتدخل الأمريكي، لم يكن يوجه رسالة إلى كراكاس وحدها، بل إلى العالم بأسره، الرسالة كانت واضحة ومرعبة ،لا أحد خارج دائرة الاستهداف، ولا دولة محصنة من القرار الأمريكي إذا ما قررت واشنطن أنها لا تسير في الاتجاه “الصحيح”.
الأخطر في حديث دونالد ترامب لا يتوقف عند تهديد دولة بعينها أو التلويح بتدخل عسكري هنا أو هناك، بل يمتد إلى الفلسفة التي يحكم بها العالم من موقع القوة، حيث تتحول السياسة إلى ساحة صراع مفتوحة، وتُسحق القوانين الدولية تحت أقدام المصالح.
ما يطرحه ترامب ليس موقفًا عابرًا، بل منطقًا متكاملًا يعيد تعريف السياسة الدولية باعتبارها غابة، الأقوى فيها يقرر، والضعيف يدفع الثمن، وهو منطق يعيد البشرية إلى شريعة الغاب، ويقوض أسس النظام الدولي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية.
عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو،وزوجتة فجرًا من داخل مقره، ونقله بطائرة أمريكية إلى نيويورك لمحاكمته، لم تكن مجرد تطور سياسي، بل صدمة عالمية مكتملة الأركان.
مشهد رئيس دولة يُقتاد من قصره دون أن تتحرك جيوش، أو تتدخل مؤسسات دولية، أو يُسمع صوت مجلس الأمن، كشف حجم الانهيار الذي أصاب مفهوم السيادة، الرسالة كانت أشد قسوة من أي بيان، من يعارض الإرادة الأمريكية قد يختفي في ساعات.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل واصل ترامب سياسة التهديد المباشر، موجهًا إنذارًا مبطنًا للزعيمة الفنزويلية الجديدة ديلسي رودريغيز، مؤكدًا أن مصيرها قد يكون أسوأ من سلفها إذا لم “تفعل الصواب، هنا لم تعد اللغة سياسية، بل تحولت إلى ابتزاز علني، حيث يصبح “الصواب” مرادفًا للخضوع الكامل.
دائرة الخطر اتسعت سريعًا. تحذيرات لرئيس كولومبيا، واتهامات فجّة تتعلق بالمخدرات، ثم تهديدات لكوبا، العدوة التاريخية، وكأن واشنطن تعيد فتح ملفات الحرب الباردة بثوب أكثر عدوانية.
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو زاد منسوب الرعب عندما قال إن الحكومة الكوبية يجب أن “تشعر بالقلق”، وهو قلق لا يتعلق بالدبلوماسية، بل بالمصير.
حتى روسيا لم تكن بعيدة عن المشهد. تصريح ترامب بأنه غير راضٍ عن بوتين لأنه “يقتل الكثير من الناس” لم يكن مجرد نقد، بل كسرًا لحاجز خطير في الخطاب الدولي، يفتح الباب أمام تصعيد غير محسوب العواقب، في عالم مكتظ بالصراعات.
الأخطر أن هذه السياسة بدأت تمتد إلى الشرق الأوسط. تقارير صحفية غربية ربطت بين اعتقال مادور، وتهديدات ترامب لإيران، معتبرة أن ما جرى في فنزويلا غيّر قواعد اللعبة، الرسالة وصلت إلى طهران بوضوح، ما كان مستبعدًا بالأمس أصبح ممكنًا اليوم، وكل السيناريوهات باتت مطروحة.
العالم اليوم لا ينام، بل يراقب وهو يمسك أنفاسه، لم تعد الحدود ضمانة، ولا السيادة درعًا، ولا القوانين الدولية سوى أوراق باهتة أمام قرار يصدر من مكتب في واشنطن.
ما جرى في فنزويلا لم يكن نهاية فصل، بل بداية كتاب مظلم، تُكتب صفحاته بالقوة، ويُعاد فيه ترتيب الدول وفق منطق الطاعة والعقاب، في هذا العالم الجديد، لا تُسأل الدول عن حقها، بل عن موقعها في قائمة الاستهداف، ولا يُقاس الأمان بالتحالفات، بل بدرجة الرضا الأمريكي. الصمت لم يعد حيادًا، والاعتراض قد يصبح جريمة، والانتظار هو أخطر الخيارات جميعًا.
عندما يتكلم ترامب، لا ترتجف دولة بعينها، بل يرتجف النظام الدولي بأكمله، ومع كل تهديد جديد، يقترب العالم خطوة أخرى من لحظة الانفجار الكبرى، تلك اللحظة التي قد لا تُعلنها صفارات إنذار، بل توقيع واحد، أو مكالمة هاتفية، أو أمر عسكري يُنفذ قبل أن يستفيق العالم من صدمته.
والسؤال لم يعد: ماذا سيفعل ترامب غدًا؟، بل هل سيبقى هناك غدٌ آمن من الأساس؟
يبقى السؤال الأخطر بلا إجابة، هل سيصمت العالم أمام تهديدات ترامب، مكتفيًا بالمراقبة والبيانات الباردة؟ أم أن ما يجري الآن يدفع قوى كبرى إلى التحرك في الظل، حيث لا تُكتب البيانات ولا تُلتقط الصور، وتبدأ المواجهة الحقيقية بعيدًا عن المنصات والميكروفونات؟ هل تدخل أجهزة الاستخبارات العالمية على خط المواجهة لكبح رجل بات يرى العالم كله ساحة مفتوحة؟ أم أن الدول، واحدة تلو الأخرى، ستختار الطريق الأسهل، الاستسلام، والخضوع، وانتظار الدور؟
الأسئلة أكثر من الإجابات، والقلق أكبر من القدرة على التفسير، عالم يقف عند مفترق طرق خطير، لا يسمع فيه سوى صدى التهديدات، ولا يعرف إن كان القادم صمتًا طويلًا، أم عاصفة لا يراها أحد قبل أن تضرب.
























