دعاء همام تكتب: الحروب الخفية في بيئة العمل.. كيف تُحارب الكفاءة باسم الغيرة؟
في كثير من أماكن العمل، لا يُحارب الفشل، بل تُحارب الكفاءة، لا يُقصى المقصر، بل يُستهدف المجتهد، معركة صامتة تدور يوميًا داخل المكاتب، بلا ضجيج ولا دماء، لكنها تترك جراحًا أعمق من أي صراع معلن.
الغيرة المهنية أصبحت أحد أخطر الأمراض التي تنخر في جسد المؤسسات. نجاحك لا يُقابل بالتقدير، بل بالترصد. اجتهادك لا يُكافأ، بل يُراقَب بحذر. وكلما أثبتَّ كفاءة، زادت محاولات التشكيك، والتقليل، وتشويه الصورة أمام مسؤول قد يكون غائب الوعي أو عاجزًا عن التمييز بين من يعمل ومن يتصنّع العمل.
المشكلة الأكبر لا تكمن فقط في الغيرة، بل في مسؤول يختار بعين لا ترى، ويضع غير المؤهل في موقع القرار، بينما يُدفع صاحب الخبرة إلى الهامش. اختيارات خاطئة تُدار بعلاقات لا بكفاءات، وبقرب لا باستحقاق، فتتحول بيئة العمل إلى ساحة صراعات خفية، لا مكان فيها للعدل ولا للاجتهاد.
داخل هذه البيئات المسمومة، تبدأ الحروب الصامتة: نقل كلام، تأويل نوايا، تشكيك في الذمم، ومحاولات مستمرة لكسر الروح قبل كسر المنصب. حروب بلا شهود، لكنها معروفة لكل من عاشها، ولكل من شعر يومًا أن نجاحه أصبح عبئًا عليه بدل أن يكون فخرًا لمكانه.
وتزداد الصورة تعقيدًا حين تكون هذه المعارك بين السيدات في بيئة العمل. بدلًا من أن تكون المرأة سندًا لأختها، تتحول المنافسة أحيانًا إلى غيرة جارحة، تُدار في الخفاء، وتُغلف بالابتسامة. صراعات تُهدر طاقة المرأة، وتُضعف وجودها، وتخدم في النهاية منظومة لا تعترف إلا بمن يُجيدون اللعب لا العمل.
الضغط النفسي الناتج عن هذه الأجواء لا يُقاس بالأرقام، لكنه يظهر في الإحباط، وفقدان الشغف، والرغبة في الانسحاب. موظفون أكفاء يفضلون الصمت، أو الرحيل، أو العمل بلا روح، لأنهم أدركوا أن الجهد في مكان لا يُقدّر، هو استنزاف لا بطولة.
إن أخطر ما تواجهه المؤسسات اليوم ليس قلة الموارد، بل قتل الكفاءات من الداخل. فالمكان الذي يحارب الناجح، ويحمي غير المؤهل، هو مكان يحكم على نفسه بالفشل البطيء.
ويبقى السؤال الأهم:
متى ندرك أن الكفاءة ليست تهديدًا، وأن النجاح لا يجب أن يكون سببًا للعقاب؟
ومتى يفهم المسؤول أن وعيه باختياراته هو الفارق الحقيقي بين مؤسسة تنجح، وأخرى تتآكل بصمت؟
























