بوابة الدولة
الجمعة 25 سبتمبر 2026 02:42 صـ 11 ربيع آخر 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

المستشار محمد سليم يكتب : الإمام الطيب.. حكيم الأزهر وحارس رسالته في أفريقيا

المستشار محمد سليم
المستشار محمد سليم

في زمن تتعدد فيه التحديات، وتحتاج فيه المجتمعات إلى صوت رشيد يجمع ولا يفرق، ويقدم العلم على الجدل، ويضع الاعتدال في مواجهة التشدد، يبرز اسم فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، باعتباره واحدا من أبرز رموز المؤسسة الأزهرية، وحاملا لمسؤولية مؤسسة عريقة ارتبط اسمها عبر التاريخ بالعلم والحكمة والوسطية.

والحديث عن الإمام الأكبر لا ينفصل عن الحديث عن الأزهر، ففضيلته يقود مؤسسة تمتد جذورها في أعماق التاريخ المصري والإسلامي، وتحمل رسالة تتجاوز حدود مصر إلى مختلف أنحاء العالم، وفي مقدمتها القارة الأفريقية التي ارتبط أبناؤها بالأزهر ارتباطا وثيقا، جيلا بعد جيل.

ولذلك فإن استقبال فضيلة الإمام الأكبر للسفير أحمد محمد مونغونو، سفير نيجيريا لدى مصر، لا يمكن النظر إليه باعتباره لقاء دبلوماسيا عاديا، فخلف هذا اللقاء رسالة أوسع تؤكد أن الأزهر، بقيادة الإمام الطيب، ينظر إلى العلم باعتباره لغة مشتركة تستطيع أن تجمع الشعوب، وأن التعليم يمثل جسرا حقيقيا للتقارب بين مصر وأشقائها في القارة الأفريقية.

لقد استطاع الإمام الأكبر، بحضوره العلمي ورؤيته الهادئة وخبرته الطويلة، أن يحافظ على مكانة الأزهر باعتباره منارة للعلم والاعتدال، وأن يؤكد في كل مناسبة أن رسالة هذه المؤسسة ليست محصورة في الداخل، وإنما تمتد إلى كل طالب علم يقصد رحابها، وكل مجتمع يحتاج إلى المعرفة والتأهيل والخطاب الديني الرشيد.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بأبناء أفريقيا، فهؤلاء الطلاب لم يكونوا يوما غرباء عن الأزهر، بل كانوا على مدار عقود جزءا أصيلا من الحياة العلمية داخل مؤسساته، يتلقون العلوم الشرعية والعربية، ويدرسون مختلف التخصصات، ثم يعودون إلى أوطانهم بما اكتسبوه من علم وخبرة.

ومن هنا تأتي أهمية تأكيد الإمام الأكبر استمرار الأزهر في دعم أبناء القارة الأفريقية، وتقديم المنح الدراسية للطلاب النيجيريين للالتحاق بجامعة الأزهر في مختلف التخصصات، إلى جانب استقبال الأئمة النيجيريين وتدريبهم في أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ.

وهذا الدور يكشف جانبا مهما من شخصية الإمام الطيب، فهو لا ينظر إلى التعليم باعتباره مجرد تحصيل للمعرفة، وإنما يراه وسيلة لبناء الإنسان، وتأهيله لخدمة وطنه ومجتمعه، ولذلك يحرص على أن يجمع التعليم الأزهري بين العلوم الشرعية والعربية وبين العلوم التطبيقية والعملية، في إطار المنهج الأزهري الوسطي.

إن ما يميز الإمام الأكبر أيضا هو قدرته على التعامل مع هذه المسؤولية الكبيرة بروح العالم الذي يدرك قيمة المؤسسة التي يقودها، فالأزهر في رؤيته ليس مجرد جامعة، وليس مجرد مؤسسة دينية، وإنما بيت علم مفتوح أمام أبناء المسلمين، ومساحة للتواصل الحضاري، ومنصة لنشر قيم الاعتدال والحوار والتعايش.

ولعل تقدير السفير النيجيري للدور الذي يقدمه الأزهر لأبناء أفريقيا وطلابه النيجيريين يعكس جانبا من الحضور الذي تتمتع به المؤسسة الأزهرية في القارة، كما يؤكد أن جهود الإمام الأكبر في دعم الطلاب الوافدين وتدريب الأئمة والوعاظ تجد صدى واسعا لدى الدول والشعوب التي تستفيد من هذه الرسالة.

والحقيقة أن قيمة الإمام الأكبر لا تكمن فقط في موقعه الرفيع على رأس الأزهر، وإنما في حضوره كعالم أزهري يحمل رؤية واضحة لدور مؤسسته في العالم، ويؤمن بأن قوة الأزهر الحقيقية في علمه، وفي قدرته على احتضان طلاب مختلف الثقافات، وفي تقديم خطاب يقوم على الوسطية والاعتدال.

وهكذا يواصل الإمام أحمد الطيب أداء رسالة جليلة، محافظا على مكانة الأزهر ومنفتحا على قضايا العالم الإسلامي، ومؤكدا أن مصر تملك في الأزهر قوة ناعمة صنعتها قرون من العلم والمعرفة، وأن أبناء أفريقيا سيظلون جزءا أصيلا من هذه الرسالة.

إنها مدرسة الإمام الطيب في القيادة العلمية: علم بلا غلو، ووسطية بلا تردد، وانفتاح بلا تفريط، ورسالة إنسانية تجعل من الأزهر جسرا دائما بين مصر وأفريقيا، وتؤكد أن العلم حين تحمله مؤسسة بحجم الأزهر يمكن أن يصبح لغة تجمع الشعوب، وتصنع جسورا لا تهدمها المسافات.

كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية السابق بمجلس النواب، والمحامي أمام المحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض.

موضوعات متعلقة