بوابة الدولة
الأحد 30 أغسطس 2026 08:38 مـ 16 ربيع أول 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

في ذكرى رحيله الـ 20.. زين العابدين خيري يكتب: على كنبة نجيب محفوظ

نجيب محفوظ وزين العابدين خيري
نجيب محفوظ وزين العابدين خيري

كانت البداية من مكتبة والدي، حيث احتلت روايات نجيب محفوظ ركنًا بارزًا بين الكتب، وكان بعضها يحمل إهداء بخط يده موجّهًا للوالد، ما أضفى عليها هالة من السحر ومنحها مكانة استثنائية في قلبي منذ الطفولة.

توازى هذا الحضور المطبوع مع شغف آخر تشكل عبر الشاشة الصغيرة حيث تعرفت إلى عالمه السينمائي، من خلال أفلامه التي كانت تُعرض على التليفزيون، سواء بوصفه كاتب السيناريو أو صاحب العمل الأدبي الأصلي، فصار حضوره مزدوجا في وجداني، على الورق وعلى الشاشة معًا. هذا التزامن بين القراءة والمشاهدة دفعني إلى الغوص في صفحاته مبكرًا جدًا، وبالتحديد في نهاية المرحلة الابتدائية وبداية الإعدادية، لأجد نفسي مأخوذًا بتفاصيل الحارة المصرية وحكاياتها وبشغف طفل يحاول أن يفهم عالما أكبر منه بكثير.

مضت السنوات سريعًا، واصطحبت معي هذا الشغف القديم إلى أروقة كلية الإعلام، لتتخذ العلاقة مسارًا أكاديميًا وعلميًا في عامي الجامعي الأول. درسنا وقتها رواية "قشتمر"، وأمضيت أيامًا أعد بحثًا موسعًا عن المكان وتأثيره في أدب محفوظ، محاولًا استكشاف كيف تتحوّل الحارة والحي والشارع إلى شخصيات حيّة في نصوصه.

في العام نفسه، قادتني الصدفة السعيدة إلى مفاجأة عابرة، حين كنت أتمشى مع بعض زملاء الكلية، فرأيناه واقفًا عند بائع الجرائد والكتب الشهير على كوبري الجلاء من ناحية الدقي. اقتربنا منه على استحياء شديد، فقابلنا بابتسامة عظيمة، سمحت لنا بأن نتقرب أكثر ونسلّم عليه بانبهار طفولي، وكأننا نلمس أسطورة تمشي على الأرض، ولم يكن قد مر إلا ثلاثة أو أربعة أعوام على فوزه بجائزة نوبل.
ثم جاء العام التالي بمفاجأة أكبر، وأنا مازلت طالبًا في الفرقة الثانية، حين طلب مني أستاذي العزيز الراحل الدكتور فاروق أبو زيد، أستاذ مادة مدخل إلى الصحافة ورئيس قسم الصحافة وقتها، وعميد الكلية لاحقًا، أن أُجري حوارًا مع الأستاذ لصالح مجلة "صوت الجامعة" التي كان يصدرها قسم الصحافة، الذي لم أكن قد تشرفت بالانضمام إليه بعد. سيطرت علي دهشة بالغة من حجم التكليف الملقى على عاتق طالب صغير، وفي قلب المحاضرة، فسألته ببراءة متلجلجا: "وكيف أصل إلى هذا العملاق يا دكتور؟"، فجاءني رده بسيطًا: "اتصرّف!"

عدت إلى البيت لأسأل والدي عن السبيل، فردّ بالجملة نفسها: "اتصرّف، أنت مش بتتدرّب في مجلة نص الدنيا في الأهرام؟ هو كمان له مكتب في الأهرام." ومن هنا بدأت رحلة الوصول، سألت الزملاء الكبار في المجلة، فنصحوني بالاتصال بسويتش الأهرام، حيث سيقوم بتحويلي إلى مدير مكتبه الأستاذ فتحي العشري، لأحاول طلب موعد. فعلت ذلك، لأفاجأ بأن الموعد تحدد بسرعة عجيبة، بشرط أن لا تتجاوز مدته ربع ساعة فقط.

وجدت نفسي فجأة بين يدي الأستاذ، أجلس معه على الكنبة نفسها، ممسكًا بجهاز مسجّل "سوني" صغير، وعمري وقتها أقل من تسعة عشر عاما، في حضرة ذلك العملاق الحائز على نوبل. 
كنت قد أمضيت قبل هذا اللقاء أسبوعًا كاملًا أرتب الأسئلة عبر زيارات مكثفة للأرشيف والمكتبة وسؤال الزملاء. الآن وأنا أتذكر ذلك اللقاء أضبط نفسي متفاجئًا لا أعرف كيف تلاشت تمامًا تفاصيل الأسئلة التي أعددتها طوال أسبوع كامل، بينما تبقى في ذاكرتي تفاصيله هو، بدماثة خلقه، وتواضعه الجم، وخفة ظله، وخبثه اللطيف حين يقابل سؤالًا يزعجه، فيرفع يده إلى سماعة أذنه، مشيرًا إلى عدم سماعه جيدًا، ومع تكرار الحركة أدركت أنها إشارته الخاصة حين يستقبل سؤالا يزعجه أو يشعر بتفاهته أو يفضّل تجاوزه.


امتد لقاؤنا متجاوزًا الوقت القصير المتفق عليه، وحصلت على إجابات فاقت أحلامي كلها. بل شجعتني تلك الألفة والمودة في جلسته على طلب رأيه في تحقيق اجتماعي كنت أعده لمجلة "نصف الدنيا" حول تغير معايير الحب في زمننا، وسألته بعفوية عما إذا كان المثل الشعبي القائل "بصلة المحب خروف" مازال يحتفظ بمعناه. وأتعجب حتى اليوم من جرأتي في طرح هذا السؤال عليه، ولكني أتذكر جيدًا رده المليء بخفة الدم، حين ضحك بصوت عالٍ ضحكته الشهيرة، وأجابني: "بصلة المحب دلوقتي ماتجيبش حتى جلد خروف".
تلك اللحظة، بضحكتها وخفتها، صارت أثمن ما احتفظت به من ذلك اللقاء، وصارت جزءا أصيلا من علاقتي بنجيب محفوظ، علاقة بدأت بجموعة كتب على رف في مكتبة أبي، ومرّت بشاشة تليفزيون في بيت الطفولة، وتوقفت لحظات عند بائع كتب على كوبري، وبلغت ذروتها على كنبة الأستاذ في جريدة الأهرام.

موضوعات متعلقة