بوابة الدولة
الجمعة 21 أغسطس 2026 08:53 صـ 7 ربيع أول 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

النائب أحمد قورة يكتب: «E1».. جريمة إسرائيلية مكتملة الأركان والعالم يكتفي ببيانات الإدانة!

النائب أحمد قورة
النائب أحمد قورة

لم يعد ما تفعله حكومة الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة مجرد عمليات استيطان متفرقة يمكن التعامل معها ببيانات الإدانة المعتادة، وإنما أصبح مخططًا متكاملًا يستهدف ابتلاع الأرض الفلسطينية وتغيير واقعها الجغرافي والديموغرافي بالقوة، وصولًا إلى القضاء على أي فرصة حقيقية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة وقابلة للحياة، بينما يقف المجتمع الدولي عاجزًا عن ترجمة إداناته المتكررة إلى قرارات وإجراءات رادعة توقف هذه الجريمة المتواصلة.

إن مشروع «E1» الذي تمضي إسرائيل في خطواته شرق القدس ليس مجرد بناء آلاف الوحدات السكنية للمستوطنين كما تحاول حكومة الاحتلال الترويج، وإنما هو مشروع سياسي واستيطاني خطير يستهدف قطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، وتعزيز ربط مستوطنة «معاليه أدوميم» بالقدس، وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، بما يحول الأرض الفلسطينية إلى كانتونات منفصلة ويقضي عمليًا على إمكانية قيام دولة فلسطينية ذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية.

وعندما تواصل إسرائيل تنفيذ هذه المخططات تحت حماية سياسية وعسكرية هائلة، فإن الرسالة التي تصل إلى العالم بأسره هي أن حكومة الاحتلال أصبحت تتصرف وكأنها فوق القانون الدولي وفوق قرارات الشرعية الدولية، وأنها لا تعبأ بكل الإدانات والمطالبات الدولية التي لم تتحول حتى الآن إلى ضغوط حقيقية قادرة على إجبارها على وقف الاستيطان أو التراجع عن سياسات الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وفرض الأمر الواقع بالقوة.

ومن هنا جاء الموقف المصري واضحًا وحاسمًا عندما أدانت جمهورية مصر العربية بأشد العبارات إقدام إسرائيل على تنفيذ مشروعها الاستيطاني في منطقة «E1»، مؤكدة أن هذا المخطط يقوض التواصل الجغرافي للأراضي الفلسطينية ويهدد بصورة مباشرة فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، ويشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ويقوض الجهود الرامية إلى تنفيذ حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

كما جاء موقف الأزهر الشريف ليكشف خطورة ما يحدث بعبارات لا تحتمل التأويل، بعدما وصف المخطط الإسرائيلي بأنه سطو علني على الأرض الفلسطينية وعدوان سافر يستهدف عزل القدس وتقطيع أوصال الضفة الغربية والقضاء على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته على أرضه، محملًا المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية مسؤولية مواجهة هذا التغول وإصدار إجراءات رادعة وملزمة بدلًا من الاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار التي لم تعد توقف جرافة واحدة ولم تمنع مستوطنًا واحدًا من الاستيلاء على أرض فلسطينية.

وإذا كانت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا قد أعلنت أن الخطوات الإسرائيلية الخاصة بمشروع «E1» غير مقبولة وتتعارض مع القانون الدولي وتهدد حل الدولتين، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة أمام هذه الدول وأمام العالم كله هو ماذا بعد بيانات الرفض والاستنكار، وهل ستبقى القضية الفلسطينية أسيرة بيانات دبلوماسية أنيقة لا تملك حكومة الاحتلال أي سبب يدفعها إلى أخذها على محمل الجد، أم أن الوقت قد حان لفرض ضغوط سياسية واقتصادية وقانونية حقيقية تتناسب مع خطورة الجريمة؟

إن الصمت الدولي لم يعد مجرد موقف سلبي يمكن تبريره بحسابات السياسة، لأن استمرار الاحتلال في توسيع مستوطناته وضم الأراضي وفرض واقع جديد على الأرض في ظل غياب العقاب يشجع على المزيد من الانتهاكات، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن من يمتلك القوة يستطيع أن يفرض ما يريد، وأن القانون الدولي يمكن أن يتحول إلى نصوص انتقائية تطبق على الضعفاء بينما يفلت الأقوياء من العقاب.

ولا يمكن الحديث عن هذه الجرأة الإسرائيلية دون التوقف أمام حجم الدعم الأمريكي لإسرائيل، وهو الدعم الذي منح حكومة الاحتلال لسنوات طويلة مظلة سياسية وعسكرية سمحت لها بمواصلة سياساتها التوسعية دون خوف حقيقي من محاسبة دولية تتناسب مع حجم الانتهاكات، ولذلك فإن الولايات المتحدة مطالبة اليوم قبل غيرها بأن تثبت للعالم أن حديثها عن السلام والدولة الفلسطينية ليس مجرد شعارات سياسية، وأنها قادرة على ممارسة نفوذها لإجبار حكومة الاحتلال على وقف الاستيطان والالتزام بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

إن ما يجري في الضفة الغربية والقدس الشرقية ليس صراعًا على قطعة أرض محدودة، بل معركة على مستقبل شعب كامل وحقه في الوجود والحرية وتقرير المصير، ولذلك فإن السماح بتمرير مشروع «E1» يعني ببساطة إعطاء الضوء الأخضر لمزيد من مخططات التوسع والضم والعزل، وفتح الطريق أمام واقع جغرافي جديد قد يجعل الحديث عن حل الدولتين مجرد ذكرى جميلة في أرشيف المؤتمرات والبيانات الدولية.

لقد آن الأوان لأن يتحول الغضب العربي والدولي إلى تحرك حقيقي، وأن تتوقف الازدواجية التي جعلت العالم يرفع راية القانون الدولي في مكان ويغض الطرف عنها في مكان آخر، لأن الشعوب لن تنسى من وقف إلى جانب الحق ومن اختار الصمت، والتاريخ لن يرحم من شاهد الأرض الفلسطينية تُنتزع أمام عينيه ثم اكتفى بعبارات الأسف والقلق.

فلسطين ليست قضية منسية، والقدس ليست ورقة تفاوض، والأرض الفلسطينية ليست غنيمة لمن يفرض عليها الاحتلال بالجرافات والمستوطنين، وإذا كان العالم يريد فعلًا إنقاذ حل الدولتين ومنع انفجار المنطقة في جولة جديدة من العنف، فعليه أن يتحرك الآن، لأن مشروع «E1» ليس مجرد مستوطنة جديدة، وإنما خطوة خطيرة نحو دفن الدولة الفلسطينية تحت ركام المستوطنات، وتحويل الاحتلال إلى حقيقة دائمة، وإهدار ما تبقى من فرص السلام.

والرسالة التي يجب أن يسمعها العالم اليوم بوضوح هي أن الاستيطان جريمة، وأن الاحتلال لا يصنع حقًا، وأن فرض الأمر الواقع بالقوة لن يمنح إسرائيل شرعية على الأرض الفلسطينية، وأن القدس ستظل عربية فلسطينية، وأن الشعب الفلسطيني سيظل متمسكًا بحقه في دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية مهما طال الاحتلال ومهما تصاعدت المخططات، لأن الأرض قد تُحتل بالقوة، لكن الحق لا يُمحى بالجرافات.

كاتب المقال النائب  أحمد عبد السلام قورة، عضو لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب السابق

موضوعات متعلقة