المستشار محمد سليم يكتب: نزيب.. المعركة التي كادت تجعل القاهرة عاصمة الشرق وتُسقط الخلافة العثمانية
في سجل الأمم أيام لا تموت، ومعارك لا يطويها النسيان مهما تعاقبت القرون، لأنها لم تكن مجرد اشتباكات عسكرية عابرة، بل نقاط تحول غيرت مجرى التاريخ وكادت تعيد رسم خرائط الدول والإمبراطوريات. ومن بين تلك الأيام الخالدة يبرز الرابع والعشرون من يونيو عام 1839، يوم وقعت معركة نزيب الشهيرة بين الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا والجيش العثماني بقيادة حافظ باشا، وهي المعركة التي اعتبرها كثير من المؤرخين أعظم انتصار عسكري حققته مصر الحديثة خارج حدودها.
لم تكن نزيب وليدة لحظة غضب أو خلاف حدودي عابر، بل جاءت نتيجة صراع استراتيجي طويل بين مشروعين؛ مشروع مصري طموح يقوده محمد علي باشا لبناء دولة حديثة قوية تمتلك جيشًا وصناعة وإدارة عصرية، ومشروع عثماني يسعى للحفاظ على ما تبقى من هيبة دولة أخذت علامات الضعف تتسلل إلى أوصالها.
بعد انتصارات إبراهيم باشا المذهلة في بلاد الشام والأناضول خلال الحرب المصرية العثمانية الأولى، اضطرت الدولة العثمانية إلى توقيع اتفاقية كوتاهية عام 1833، التي منحت محمد علي حكم الشام وأضنة، إلا أن السلطان محمود الثاني لم يتقبل تلك النتيجة أبدًا، وظل طوال ست سنوات يعد العدة للانتقام واستعادة الأراضي التي فقدها.
في المقابل، كان محمد علي يعمل بصمت على تطوير جيشه بصورة غير مسبوقة. فقد أنشأ المدارس العسكرية، واستعان بالخبرات الأوروبية، وأقام المصانع الحربية، وأرسل البعثات التعليمية إلى أوروبا، حتى أصبح الجيش المصري أحد أكثر جيوش المنطقة تنظيمًا وتسليحًا وانضباطًا.
ومع حلول عام 1839 شعر السلطان العثماني بأن الوقت قد حان لتصفية الحساب مع مصر. فتم حشد جيش ضخم يضم عشرات الآلاف من الجنود والمدفعية والفرسان، وتحرك نحو منطقة نزيب بالقرب من عينتاب، أملاً في توجيه ضربة قاضية للقوات المصرية واستعادة السيطرة على الشام.
لكن ما لم يدركه قادة الباب العالي أن إبراهيم باشا لم يكن مجرد قائد ميداني عادي، بل كان واحدًا من أبرز القادة العسكريين في القرن التاسع عشر. فقد درس طبيعة الأرض جيدًا، وراقب تحركات خصمه بدقة، واستفاد من تفوقه في التدريب والانضباط وسرعة الحركة.
وتروي الوثائق العسكرية أن المستشار الألماني الشهير هلموت فون مولتكه، الذي كان يعمل مستشارًا للجيش العثماني قبل أن يصبح لاحقًا أحد أشهر قادة ألمانيا العسكريين، نصح حافظ باشا بالانسحاب وإعادة التموضع بعد أن اكتشف التفاف القوات المصرية حول المواقع العثمانية، إلا أن القادة الأتراك رفضوا النصيحة بدافع الغرور والخوف من اتهامهم بالجبن أمام السلطان.
وجاءت ساعة الحسم صباح الرابع والعشرين من يونيو. بدأت المدفعية المصرية قصفًا مركزًا ودقيقًا على المواقع العثمانية، أعقبه هجوم منظم للمشاة المصريين الذين تلقوا تدريبات حديثة وفق النظم الأوروبية. وخلال ساعات قليلة فقط انهارت خطوط الدفاع العثمانية بالكامل، وتحولت المعركة إلى حالة من الفوضى والفرار الجماعي.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن آلاف الجنود العثمانيين سقطوا بين قتيل وجريح وأسير، فيما استولى الجيش المصري على كميات هائلة من المدافع والذخائر والمعدات العسكرية. أما القوات المصرية فقد خرجت من المعركة منتصرة بأقل الخسائر مقارنة بحجم الإنجاز الذي تحقق.
ولم تكن الصدمة داخل الدولة العثمانية عسكرية فقط، بل تحولت إلى زلزال سياسي هائل. فبعد أيام قليلة من الهزيمة توفي السلطان محمود الثاني، لتدخل الدولة العثمانية مرحلة من الارتباك الشديد في ظل تولي السلطان عبد المجيد الأول الحكم وهو لا يزال شابًا قليل الخبرة.
ثم جاءت الضربة الأكثر إيلامًا؛ إذ أبحر قائد الأسطول العثماني أحمد فوزي باشا بأسطوله إلى الإسكندرية وسلمه لمحمد علي باشا، وهكذا وجدت الدولة العثمانية نفسها فجأة بلا جيش قادر على القتال وبلا أسطول قادر على حماية سواحلها.
عند هذه اللحظة التاريخية أصبحت الطريق مفتوحة أمام إبراهيم باشا للتقدم نحو الآستانة، ولم يكن هناك على الأرض من يستطيع إيقاف الجيش المصري،وكانت التقديرات الأوروبية تشير إلى أن سقوط العاصمة العثمانية أصبح مسألة وقت لا أكثر.
لكن الخطر لم يعد يهدد الدولة العثمانية وحدها، بل بدأ يهدد المصالح الأوروبية ذاتها. فقد رأت بريطانيا أن ظهور دولة مصرية قوية تسيطر على مصر والشام والحجاز وأجزاء من الأناضول سيؤدي إلى اختلال خطير في ميزان القوى ويهدد طريق الهند، أهم شرايين الإمبراطورية البريطانية آنذاك.
كما خشيت روسيا والنمسا وبروسيا من انهيار الدولة العثمانية بشكل كامل وما قد يترتب على ذلك من فوضى وصراعات إقليمية واسعة، ولهذا تحركت القوى الأوروبية بسرعة غير مسبوقة لتشكيل جبهة دولية هدفها الوحيد وقف التمدد المصري.
وبالفعل تم فرض حصار بحري وعسكري وسياسي على مصر، وتعرضت السواحل المصرية والشامية لضغوط هائلة، وانتهت الأزمة بتوقيع معاهدة لندن عام 1840 التي أجبرت محمد علي على التخلي عن معظم فتوحاته الخارجية مقابل الاعتراف بحكم أسرته الوراثي لمصر.
لقد انتصر الجيش المصري في نزيب انتصارًا ساحقًا، لكنه اصطدم بحقيقة السياسة الدولية التي كثيرًا ما تحرم المنتصر من ثمرة انتصاره، ولهذا ينظر المؤرخون إلى نزيب باعتبارها معركة كسبتها مصر عسكريًا وخسرتها دبلوماسيًا.
ورغم مرور ما يقرب من مائتي عام على تلك الواقعة، فإن معركة نزيب لا تزال شاهدًا على واحدة من أكثر الفترات إشراقًا في التاريخ المصري الحديث، حين امتلكت مصر جيشًا قويًا وقيادة طموحة ومشروعًا حضاريًا متكاملًا جعل القوى الكبرى نفسها تشعر بالقلق من صعودها.
لقد كانت نزيب رسالة واضحة إلى العالم بأن المصريين عندما تتوافر لهم القيادة الواعية والرؤية الاستراتيجية والإرادة الوطنية، يستطيعون أن يصنعوا التاريخ وأن يفرضوا حضورهم على موازين القوى الدولية، حتى وإن تكاتفت ضدهم إمبراطوريات العالم بأسره.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالدستورية والنقض




















.jpeg)


