بوابة الدولة
الإثنين 19 أكتوبر 2026 07:56 صـ 7 جمادى أول 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية
هل المديح عند مقامات الصالحين حلال أم حرام؟.. أمين الفتوى يجيب منتخب مصر للناشئين يختتم تدريباته اليوم استعدادا لمواجهة الكويت بكأس الخليج نظر محاكمة 38 متهما بخلية الهيكل الإدارى للإخوان فى المطرية اليوم التعليم تحدد ضوابط النجاح فى مادة التربية الدينية وتشترط 70% للاجتياز «الصحة» تطلق الحملة القومية للتطعيم ضد الحصبة والحصبة الألمانية 25 أكتوبر إلهام شاهين تتراقص على السجادة الحمراء فى عرض فيلم بومة بمهرجان الجونة النائب أحمد قورة يكتب: الرئيس السيسي يواجه مخططات التطبيع ويحمي أمن السعودية أحمد رمزى يخوض دراما رمضان 2027 بمسلسل نجم الموسم بطولة أحمد فهمى المستشار محمد سليم يكتب : لماذا دعا الرئيس السيسي البرلمان إلى تفويضه بحماية الأمن القومي ودعم السعودية؟ أمينة خليل وريهام عبد الغفور وروجينا فى عرض فيلم بومة بمهرجان الجونة يسرا ودينا الشربينى وإيمان العاصى يصلن عرض فيلم بومة بمهرجان الجونة عرض فيلم «مفيش راجل بيعيط» فى مهرجان الجونة وسجادة حمراء لأبطاله اليوم

المستشار محمد سليم يكتب: هل هربنا من المدن أم هربنا من أنفسنا؟

المستشار محمد سليم
المستشار محمد سليم

كان البيت فى الماضى أكثر من مجرد جدران وسقف، كان وطنًا صغيرًا يحتضن الأسرة ويحفظ الذكريات، وكانت الشوارع تعرف سكانها كما يعرف الأب أبناءه، وكان الجار قبل القريب، وكانت الأبواب مفتوحة للود قبل أن تكون مغلقة بالأقفال والكاميرات، وكانت الحياة أبسط رغم قلة الإمكانيات، وأكثر دفئًا رغم غياب كثير من مظاهر الرفاهية.

كنا نعيش فى أحياء تحمل روحًا وهوية، نعرف البقال والمخبز والمكوجى وصاحب المكتبة، ونعرف أسماء الجيران وأبناءهم، وكانت العلاقات الإنسانية جزءًا أصيلًا من تفاصيل الحياة اليومية، وكانت الشوارع مسرحًا للطفولة، والحدائق متنفسًا للأسر، والجلوس أمام المنازل عادة اجتماعية لا تحتاج إلى موعد أو دعوة.

ثم تبدلت الأحوال، وارتفعت الأبراج مكان البيوت العتيقة، واختفت مساحات كثيرة من الجمال تحت زحف الأسمنت، وضاقت الشوارع بالسيارات، وازدادت الضوضاء والزحام، وأصبح الخوف على الأطفال هاجسًا دائمًا، وأصبح السير فى بعض المناطق معركة يومية بين المارة والمركبات، وتراجعت المساحات الآمنة التى كانت تمنح الإنسان شعورًا بالراحة والانتماء.

ومع تزايد الضغوط، بدأت رحلة الهجرة الداخلية، فترك كثيرون أحياءهم القديمة بحثًا عن الهدوء والنظام، وانتقلوا من قلب المدن إلى أطرافها، ومن العمارات التقليدية إلى الكومباوندات الحديثة، ومن الجيرة القديمة إلى مجتمعات مغلقة تحكمها البوابات الإلكترونية والتعليمات الإدارية والتطبيقات الذكية.

هناك وجد الناس النظافة والتنظيم والأمن والخدمات الحديثة، لكنهم اكتشفوا أيضًا أن شيئًا مهمًا قد فُقد فى الطريق، فالوجوه أصبحت أقل ألفة، والعلاقات أكثر برودة، والتواصل الإنسانى أضعف، وأصبحت الرسائل الإلكترونية وخدمة العملاء تحل محل أحاديث الجيران ودفء العلاقات اليومية.

وأصبح الإنسان يعيش وسط مئات الأسر دون أن يعرف أحدًا منها، وأصبحت الوحدة أكثر حضورًا رغم كثرة السكان، وأصبح السكن أكثر فخامة لكنه أقل حياة، وأكثر حداثة لكنه أقل روحًا، وأكثر تنظيمًا لكنه أقل دفئًا.

والحقيقة التى لا يريد كثيرون الاعتراف بها، أن المشكلة ليست دائمًا فى المكان، فكلما هربنا من الزحام حملناه معنا، وكلما تركنا منطقة بحثًا عن الهدوء سرعان ما لحقت بها نفس المشكلات، لأن الأزمة الحقيقية ليست فى الشوارع وحدها، بل فى التحولات التى أصابت المجتمع كله، وفى التراجع الذى أصاب بعض القيم والسلوكيات، وفى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التى فرضت نفسها على الجميع.

لقد تركنا أحياء كثيرة كانت يومًا عنوانًا للرقى والجمال، وتركنا وراءنا مدنًا كاملة كانت نابضة بالحياة، وانتقلنا من مكان إلى آخر ظنًا منا أن السعادة تقيم فى العنوان الجديد، لكننا اكتشفنا أن المدن لا تصنعها المبانى وحدها، بل يصنعها البشر، وتصنعها العلاقات، وتصنعها الذكريات التى تتراكم عامًا بعد عام.

فالبيت لا يبنى بالخرسانة فقط، ولا تحميه الأسوار العالية، ولا تمنحه الحياة البوابات الإلكترونية، بل تبنيه مشاعر الانتماء، ويحفظه الاستقرار، وتمنحه الروح تلك التفاصيل الصغيرة التى لا تُشترى بالمال، كابتسامة جار، وسؤال صديق، وضحكة طفل فى الشارع، وذكرى جميلة عاشت داخل الجدران.

وربما يكون السؤال الأهم اليوم: هل كنا نهرب فعلًا من المدن، أم كنا نهرب من واقع نحمله معنا أينما ذهبنا؟ وهل الحل فى الانتقال المستمر من مكان إلى آخر، أم فى استعادة القيم التى جعلت من المدن بيوتًا كبيرة تتسع للجميع؟

نعلم إن الماضى لن يعود كما كان، لكن الجميل فيه يمكن أن يعود، إذا استعدنا معنى الجيرة، ومعنى الانتماء، ومعنى أن يكون للإنسان مكان يشعر فيه أنه ليس مجرد ساكن، بل جزء من حكاية، وجزء من مجتمع، وجزء من وطن لا يتركه كلما ضاقت به الأيام.

كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالدستورية والنقض

موضوعات متعلقة