بوابة الدولة
الخميس 21 مايو 2026 02:32 صـ 3 ذو الحجة 1447 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

د. عبد الرحيم ريحان يكتب: القانون الفرنسي واسترداد الآثار المصرية

د عبدالرحيم ريحان
د عبدالرحيم ريحان

يوافق اليوم الثامن عشر من مايو الاحتفال باليوم العالمي للمتاحف، وهو حدث دولي ينسقه المجلس الدولي للمتاحف بهدف زيادة الوعي بأهمية المتاحف كأداة مهمة للتبادل الثقافي وإثراء الثقافات وتنمية المجتمعات، ويحتفل العالم بهذه المناسبة هذا العام تحت شعار «المتاحف توحد عالمًا منقسمًا»، وفي هذا الإطار يبرز القانون الفرنسي الجديد الخاص بإعادة الأعمال الفنية والقطع الأثرية التي خرجت من بلدانها الأصلية خلال فترات الاستعمار، وهو القانون الذي صادق عليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد موافقة البرلمان الفرنسي عليه عقب مناقشات استمرت نحو تسع سنوات كاملة.

ويأتي هذا القانون في إطار تطور العلاقات المصرية الفرنسية خلال السنوات الأخيرة، وهي العلاقات التي عكستها الزيارات المتبادلة بين قيادتي البلدين، وزيارة الرئيس الفرنسي إلى منطقة خان الخليلي برفقة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ثم زيارته إلى مدينة الإسكندرية، بما يعكس عمق العلاقات التاريخية والثقافية بين الشعبين المصري والفرنسي.

وينص القانون الجديد على وضع إطار قانوني واضح يسمح بإخراج بعض القطع الأثرية والفنية من المجموعات الوطنية الفرنسية وإعادتها إلى بلدانها الأصلية، شريطة إثبات أن هذه القطع قد نهبت أو خرجت بطرق غير مشروعة خلال الفترة الممتدة بين عامي 1815 و1972، كما ينص على إخضاع طلبات الاسترداد لمراجعة دقيقة من قبل لجان علمية وبرلمانية متخصصة تتولى دراسة الوثائق التاريخية والقانونية المتعلقة بكل قطعة قبل إصدار القرار النهائي بشأنها، كما يتضمن بندًا مهمًا يقضي بأنه إذا كانت الممتلكات الثقافية تعود إلى جهة عامة غير الدولة فلا يمكن إخراجها من الملك العام إلا بعد الحصول على موافقة رسمية من تلك الجهة، ويمنح القانون الحكومة الفرنسية صلاحيات أوسع لتسريع إجراءات إعادة القطع الأثرية عبر إصدار مراسيم حكومية مباشرة بدلًا من الاعتماد على المسارات التشريعية الطويلة والمعقدة التي كانت تستغرق سنوات في السابق.

ويعكس هذا القرار تحولًا مهمًا داخل أوروبا نحو إعادة النظر في وضع المقتنيات التاريخية ذات الأصول الاستعمارية، كما يمثل محاولة فرنسية لإعادة بناء علاقاتها الثقافية والتاريخية مع الدول الأفريقية والعربية على أسس جديدة تقوم على الاعتراف بالتاريخ وتعزيز التعاون الثقافي، وفي إطار تنفيذ هذا التوجه بدأت السلطات الفرنسية مراجعة أصول ما يقرب من تسعين ألف قطعة أثرية أفريقية محفوظة داخل المتاحف الفرنسية، من بينها عشرات الآلاف من القطع الموجودة داخل متحف كيه برانلي الذي يعد من أبرز المتاحف المتخصصة في الفنون والحضارات الأفريقية والآسيوية.

كما تواصل فرنسا تعاونها مع عدد من المؤسسات والمتاحف الأوروبية لإطلاق مشروعات بحثية تهدف إلى تتبع مصادر القطع الأثرية وتوثيق ظروف خروجها من بلدانها الأصلية، ومن بين هذه المبادرات صندوق بحثي مشترك مع ألمانيا بقيمة 2.1 مليون يورو لدعم الدراسات والأبحاث المتعلقة بتاريخ المقتنيات الأثرية ومسارات انتقالها خلال الفترات الاستعمارية، وهو ما يؤكد وجود مسؤولية تاريخية وأخلاقية تقع على عاتق الدول الأوروبية التي تحتفظ بهذه القطع، بما يستوجب إعادة النظر في إعادتها إلى أوطانها الأصلية.

ويعد متحف اللوفر من أبرز المتاحف العالمية التي تضم آثارًا مصرية، حيث يحتوي على ما بين خمسة إلى ستة آلاف قطعة أثرية مصرية معروضة، إضافة إلى ما بين خمسين إلى ستين ألف قطعة محفوظة داخل المخازن، ومن بين هذه القطع تمثال الكاتب الجالس، وتماثيل لعدد من الملوك المصريين مثل رمسيس الثاني وأخناتون وأمنحتب، إلى جانب البرديات والتوابيت والمومياوات والنقوش الحجرية، كما يضم أقسامًا متخصصة تعرض تفاصيل الحضارة المصرية القديمة من كتابة وملابس وموسيقى وحرف وفنون دينية، فضلًا عن لوحة مصلى أمنحتب الأول التي تعد من القطع ذات الأهمية التاريخية الكبيرة.

وتظل دائرة دندرة الفلكية أو «زودياك دندرة» واحدة من أشهر القطع المصرية الموجودة داخل متحف اللوفر وأكثرها إثارة للجدل، باعتبارها من القطع التي خرجت من مصر بصورة غير شرعية، ففي عام 1802 وبعد الحملة الفرنسية على مصر نشر الفنان والرحالة الفرنسي دينون نقوش سقف معبد دندرة الذي يضم دائرة الأبراج الشهيرة في كتابه «السفر في مصر السفلى والعليا»، وهو ما أثار جدلًا واسعًا حول عمر الزودياك وقيمته التاريخية، وبعد ذلك كلف تاجر التحف سيباستيان لويس سولنييه، وهو أحد أبناء عضو مجلس النواب الفرنسي آنذاك، وكيله جين باتيست كلود ليلوراين بإزالة دائرة الأبراج باستخدام المناشير والرافعات والمقصات والبارود، وتم بالفعل نقل القطعة من معبد دندرة عام 1821 إلى فرنسا، ثم جرى تثبيتها عام 1822 داخل المكتبة الملكية الفرنسية التي أصبحت فيما بعد المكتبة الوطنية الفرنسية، قبل أن تنتقل عام 1922 إلى متحف اللوفر حيث ما تزال معروضة حتى الآن.

ولا تقتصر الآثار المصرية الموجودة في فرنسا على متحف اللوفر فقط، بل توجد أيضًا داخل عدد من المتاحف الفرنسية الأخرى، ومنها متحف الفنون الجميلة في ليون الذي يضم تماثيل أوشابتي وأدوات زراعية ولوحات جدارية وقطعًا فنية مرتبطة بالحياة اليومية والدينية في مصر القديمة، وكذلك متحف مارسيليا للحضارات المتوسطية الذي يحتوي على أدوات جنائزية وتماثيل وآثار متنوعة تعكس جوانب متعددة من الممارسات الدينية والحياة الاجتماعية لدى المصري القديم.

ورغم أهمية القانون الفرنسي الجديد، فإن هناك إشكالية واضحة تتعلق بعدم وجود بيانات رسمية حاسمة تحدد عدد القطع الأثرية المصرية الموجودة في فرنسا والتي يمكن تصنيفها باعتبارها «منهوبة»، وذلك نتيجة خروج عدد كبير من الآثار المصرية خلال فترات تاريخية مختلفة، بعضها خلال الحملة الفرنسية على مصر، وبعضها الآخر خلال القرن التاسع عشر، في حين خرجت قطع أخرى عبر البيع أو التبادل وفقًا للسياقات والقوانين السائدة في تلك الفترات، كما أن المتاحف الفرنسية تصنف عددًا كبيرًا من هذه القطع باعتبارها «مقتنيات أثرية مكتسبة تاريخيًا» وليست «آثارًا منهوبة»، وهو ما يجعل ملف الاسترداد أكثر تعقيدًا.

ولهذا تتركز الجهود المصرية حاليًا على استرداد القطع التي تمتلك وضعًا قانونيًا واضحًا أو تمثل قيمة تاريخية ورمزية كبرى، وفي مقدمتها «زودياك دندرة» الذي أصبح رمزًا للمطالب المصرية باستعادة آثارها، ليس فقط باعتباره قطعة أثرية نادرة، وإنما لأنه يمثل جزءًا من الذاكرة الحضارية والهوية الثقافية المصرية التي لا يمكن فصلها عن موطنها الأصلي.
كاتب المقال بقلم د. عبد الرحيم ريحان رئيس اللجنة العليا للآثاريين بالنقابة المهنية للسياحيين



3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq 3seq