المهندس مصطفى الفعل يكتب: عطلة كروية.. وخسارة كروية
حين تُعلن حكومة ما تعطيل العمل ليومين كاملين من أجل مباراة كرة قدم، فنحن لا نكون أمام مجرد مبالغة في الاحتفال، بل أمام مشهد يكشف خللًا عميقًا في ترتيب الأولويات وغيابًا واضحًا للإحساس بالمسؤولية، فنحن لسنا ضد الفرح، ولم نكن يومًا أعداءً للبهجة أو داعمين للكآبة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أي دولة هذه التي تتوقف عجلة الحياة فيها من أجل مباراة، وأي منطق يقبل أن تُعلَّق مصالح الناس وتُغلق المؤسسات ويُجمَّد الإنتاج تحت لافتة “الاحتفال”؟
العراق اليوم، كغيره من الدول التي تواجه تحديات اقتصادية معقدة، يقف على أرضية هشة، اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على مورد واحد، مع ضعف واضح في الإنتاج الحقيقي وتنوع مصادر الدخل، وفي ظل هذا الواقع الدقيق تصبح كل ساعة عمل ذات قيمة، وكل يوم إنتاج ضرورة لا رفاهية، وبالتالي فإن تعطيل يوم واحد فقط لا يمكن اعتباره أمرًا عابرًا، بل هو استنزاف مباشر لمقدرات الدولة، فكيف إذا تحول الأمر إلى يومين كاملين؟
بلغة الأرقام التي لا تعرف المجاملة ولا تجامل العواطف، إذا كانت ميزانية العراق تقارب 100 مليار دولار سنويًا، فإن قيمة اليوم الواحد تقترب من 270 مليون دولار، ما يعني أن قرارًا بتعطيل يومين يحمل في طياته خسارة تتجاوز نصف مليار دولار، وهذه ليست أرقامًا نظرية تُكتب على الورق ثم تُنسى، بل هي تعبير صريح عن إنتاج توقف، ومصالح تعطلت، وفرص ضاعت، واستثمارات تأجلت، وتأخير يتراكم فوق تأخير، حتى يصبح التعطل عادة، والتراجع سلوكًا متكررًا.
غير أن الخسارة الحقيقية لا تُقاس فقط بالأموال، بل بما هو أخطر وأعمق، وهو ترسيخ ثقافة الهروب من الواقع، فحين يعتاد المجتمع أن يتوقف من أجل مناسبة، أيًا كانت، وحين تتعامل الدولة مع الفرح باعتباره مبررًا لتعليق العمل، فإننا نكون بصدد صناعة عقلية تفضل الهروب على المواجهة، وتبحث عن الاستراحة بدل الإنتاج، وتستسهل التوقف بدل الاستمرار.
أي رسالة تُرسلها حكومة لشعبها حين تُغلق أبوابها بإرادتها؟ وأي نموذج تقدمه حين تربط إدارة الدولة بحالة مزاجية أو حدث رياضي؟ الدول لا تُقاس بقدرتها على الاحتفال، بل بقدرتها على الاستمرار، ولا تُحترم لأنها تفرح، بل لأنها تعمل، خاصة في أصعب الظروف وأقسى التحديات.
لسنا ضد المنتخب، ولا نقلل من قيمة الرياضة كقوة ناعمة توحد الشعوب وتمنحها لحظات من الفخر، لكننا نرفض أن تتحول الدولة إلى “مشجع في المدرجات”، وأن تُدار بعقلية الجمهور لا بعقلية المسؤول، فالفرح الحقيقي لا يأتي على حساب العمل، والاحتفال لا يجب أن يكون بديلًا عن الإنتاج، والوطن لا يُدار بالعاطفة مهما كانت نبيلة، بل يُبنى بالمسؤولية، ويستمر بالعمل، ويُحفظ بالوعي.
وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نتمنى لمنتخبنا العراقي كل النجاح والتفوق، خاصة ونحن نحتفي بإنجاز طال انتظاره، بعودة منتخب العراق، أسود الرافدين، إلى كأس العالم للمرة الأولى منذ أربعة عقود، بعد الفوز على منتخب بوليفيا، وهو إنجاز يعيد للأذهان أمجاد الكرة العراقية ويؤكد أن هذا المنتخب يملك من العزيمة والإصرار ما يكفي لكتابة تاريخ جديد يليق باسم العراق ومكانته، فهذا المنتخب لم يكن يومًا مجرد فريق كرة قدم، بل كان دائمًا رمزًا لوطن يقاتل من أجل الفرح، ويصنع الأمل من قلب التحديات، ويثبت أن الإرادة قادرة على تجاوز كل الصعاب لتبقى راية العراق مرفوعة في أكبر المحافل الدولية.
ونحن إذ نُبدي هذا الرأي، فإن نقدنا لم يكن يومًا تقليلًا من شأن هذا الإنجاز الكبير، بل هو نابع من حب صادق وعميق لدولة بحجم العراق، هذا البلد صاحب التاريخ العريق والحضارة الضاربة في جذور الزمن، الذي أنجب العلماء والمفكرين، وشيد مؤسسات راسخة كانت ولا تزال نموذجًا في الصمود والكفاءة رغم كل ما مر به من أزمات، فالعراق أكبر من أن يتوقف، وأقوى من أن تُعطَّل مسيرته، ومؤسساته أعرق من أن تُدار بردود الأفعال، فهو وطن يستحق إدارة بحجم تاريخه، وشعب يستحق واقعًا يليق بتضحياته، ومن هذا المنطلق يأتي النقد، لا هدمًا بل حرصًا، ولا اعتراضًا بل غيرة، ولا تشكيكًا بل إيمانًا بأن هذا الوطن قادر على أن يفرح… دون أن يتوقف.





















.jpeg)


