المستشار محمد سليم يكتب: إعدام الأسرى الفلسطينيين.. أخطر تشريع إسرائيلي في توقيت ملتهب
في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، وبينما تتجه أنظار العالم إلى الحرب الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، تمضي تل أبيب بهدوء نحو واحدة من أخطر خطواتها التشريعية منذ عقود، عبر الدفع بمشروع قانون يجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية. هذا التوقيت ليس مصادفة، بل يعكس قراءة إسرائيلية دقيقة لمشهد دولي منشغل، ومجتمع دولي عاجز أو غير راغب في فتح جبهة جديدة من الانتقادات والضغوط.
القانون الذي أقرته لجنة الأمن القومي في الكنيست، تمهيدًا لطرحه في القراءتين الثانية والثالثة، يستهدف الأسرى الفلسطينيين المتهمين بقتل إسرائيليين في عمليات تصنفها إسرائيل بأنها ذات دوافع قومية أو أمنية. ورغم أن إسرائيل تمتلك بالفعل نصوصًا قانونية تتيح عقوبة الإعدام في حالات محدودة، فإن الجديد في هذا المشروع هو تحويل الإعدام من عقوبة استثنائية نادرة التطبيق إلى أداة سياسية وأمنية قابلة للاستخدام المتكرر، مع تقليص صلاحيات الطعن والعفو، وتسريع إجراءات التنفيذ.
الأخطر من ذلك أن القانون، بصيغته الحالية، يطبَّق بشكل انتقائي، إذ يستثني فعليًا السجناء اليهود المتهمين بقتل فلسطينيين، ما يجعله قانونًا ذا طبيعة تمييزية واضحة، يرسخ مبدأ ازدواجية العدالة، ويحوّل القضاء إلى أداة تعكس موازين القوى السياسية لا مبادئ القانون المجردة.
وتشير الإحصاءات الصادرة عن مؤسسات حقوقية فلسطينية إلى وجود أكثر من 9300 أسير فلسطيني داخل السجون الإسرائيلية، بينهم مئات الأطفال وعشرات النساء، إضافة إلى آلاف المعتقلين إداريًا دون محاكمة. كما توثق هذه المؤسسات استشهاد أكثر من 300 أسير منذ بدء الاحتلال نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي أو ظروف الاعتقال القاسية. وبذلك، فإن مشروع القانون الجديد لا يأتي من فراغ، بل يشكل امتدادًا لسياسات سابقة وُصفت بأنها "إعدام بطيء"، لكنه ينقلها الآن إلى مستوى أكثر صراحة وخطورة، عبر تقنين الإعدام المباشر.
إن تمرير مثل هذا القانون في ظل حرب إقليمية كبرى يثير تساؤلات جوهرية حول نوايا التوقيت. فالحرب بين إسرائيل وإيران، وما يصاحبها من توترات عسكرية وتهديدات متبادلة، استحوذت على تغطية الإعلام العالمي، وأعادت ترتيب أولويات العواصم الكبرى، التي باتت تركز على منع اتساع رقعة المواجهة بدلًا من متابعة الانتهاكات في الأراضي الفلسطينية. هذا الانشغال الدولي وفر لإسرائيل هامش حركة واسعًا لتمرير تشريعات حساسة دون أن تواجه موجة انتقادات أو ضغوط كالتي كانت ستتعرض لها في ظروف أخرى.
السؤال الذي يتردد بقوة في هذا السياق هو: من يردع إسرائيل؟ فعلى مدار عقود، تمتعت تل أبيب بدعم سياسي وعسكري غير محدود من الولايات المتحدة، تُرجم في مساعدات عسكرية سنوية بمليارات الدولارات، وتعاون استخباراتي وثيق، والأهم من ذلك استخدام متكرر لحق النقض داخل مجلس الأمن الدولي لإفشال مشاريع قرارات تدين سياساتها أو تطالبها بالانسحاب من الأراضي المحتلة. هذا الدعم لم يمنح إسرائيل فقط تفوقًا عسكريًا، بل وفر لها مظلة سياسية جعلتها تتعامل مع القانون الدولي باعتباره إطارًا مرنًا يمكن تجاوزه متى تعارض مع مصالحها الأمنية أو الاستراتيجية.
أما في أوروبا، التي طالما قدمت نفسها كحامية لقيم حقوق الإنسان، فإن المواقف تجاه إسرائيل تتسم بتردد واضح، فبينما تُفرض العقوبات بسرعة على دول أخرى عند انتهاكها للقانون الدولي، تكتفي العواصم الأوروبية في كثير من الأحيان بإصدار بيانات قلق أو الدعوة إلى ضبط النفس عندما يتعلق الأمر بإسرائيل. هذه الازدواجية في المعايير أضعفت مصداقية الخطاب الغربي حول العدالة الدولية، وعمّقت شعورًا في المنطقة بأن ميزان القانون يميل دائمًا لصالح الأقوى.
في المقابل، يظل الموقف العربي في أغلبه محصورًا في دائرة الإدانات اللفظية والاجتماعات الطارئة والبيانات الختامية التي لا تتبعها إجراءات عملية. وباستثناء مواقف تاريخية اتخذتها مصر في محطات مفصلية من الصراع، سواء عبر المواجهة العسكرية أو من خلال تحركات دبلوماسية مكثفة لوقف إطلاق النار أو دعم الحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية، فإن كثيرًا من المواقف العربية الأخرى لم ترتقِ إلى مستوى الضغوط المؤثرة التي يمكن أن تغيّر حسابات صانع القرار الإسرائيلي.
من الناحية القانونية، يشكل مشروع قانون إعدام الأسرى تحديًا مباشرًا لمنظومة القانون الدولي الإنساني، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف، التي تنظم معاملة الأسرى وتفرض معايير صارمة على المحاكمات والعقوبات. صحيح أن بعض الاتفاقيات لا تحظر عقوبة الإعدام بشكل مطلق، لكنها تشترط توافر محاكمات عادلة وضمانات قضائية مشددة، وهو ما تشكك فيه منظمات حقوقية دولية في الحالة الإسرائيلية، خاصة في ظل استخدام المحاكم العسكرية لمحاكمة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.
وإذا مضت إسرائيل في تنفيذ هذا القانون، فقد تجد نفسها أمام موجة جديدة من الملاحقات القانونية أمام المحكمة الجنائية الدولية، التي تحقق بالفعل في ملفات تتعلق بجرائم حرب مزعومة في الأراضي الفلسطينية. فتنفيذ أحكام إعدام بحق أسرى في سياق احتلال عسكري قد يُعتبر انتهاكًا جسيمًا يرقى إلى مستوى جريمة حرب، ما يضع المسؤولين الإسرائيليين أمام مخاطر الملاحقة والسفر المقيد إلى عدد من الدول.
لكن المخاطر لا تقتصر على الجانب القانوني فقط، بل تمتد إلى البعد الأمني والسياسي. فالأسرى الفلسطينيون يمثلون رمزًا مركزيًا في الوعي الوطني الفلسطيني، وقضيتهم تحظى بإجماع واسع بين مختلف الفصائل والتيارات. وأي مساس بحياتهم، خاصة عبر الإعدام، سيُنظر إليه باعتباره إعلان حرب على المجتمع الفلسطيني بأكمله، وقد يؤدي إلى موجات غضب وانتفاضات جديدة، ليس فقط في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل ربما تمتد تداعياتها إلى دول الجوار أيضًا.
كما أن تحويل السجون إلى أماكن تنفيذ أحكام إعدام قد يخلق ديناميكيات تصعيدية خطيرة، حيث قد تلجأ فصائل مسلحة إلى خطف إسرائيليين للمطالبة بوقف الإعدامات أو إجراء صفقات تبادل، ما يعيد المنطقة إلى دوامة من العنف المتبادل يصعب احتواؤها. وهكذا، فإن القانون الذي يُسوَّق في الداخل الإسرائيلي باعتباره أداة للردع، قد يتحول عمليًا إلى عامل جديد لتغذية الصراع وإطالة أمده.
إلى جانب ذلك، يطرح هذا التشريع تساؤلات أخلاقية عميقة حول صورة إسرائيل التي تسعى دائمًا إلى تقديم نفسها كدولة ديمقراطية في محيط مضطرب. فالديمقراطيات لا تُقاس فقط بوجود برلمان منتخب أو قضاء مستقل، بل بمدى احترامها لحقوق الإنسان، خاصة عندما يتعلق الأمر بخصومها أو بالأقليات الواقعة تحت سيطرتها. وإذا أصبح الإعدام أداة سياسية تُستخدم ضد فئة محددة على أساس هويتها القومية، فإن ذلك يقوّض الأسس التي تقوم عليها أي منظومة ديمقراطية حقيقية.
إن المضي قدمًا في إقرار قانون إعدام الأسرى في هذا التوقيت بالذات، وفي ظل انشغال العالم بالحرب على إيران، يبعث برسالة واضحة مفادها أن إسرائيل تختبر حدود الصمت الدولي، وتقيس مدى استعداد المجتمع الدولي لغض الطرف عن خطوات قد تُعتبر في سياقات أخرى انتهاكات جسيمة. وإذا مرّ هذا القانون دون رد فعل حازم، فقد يشجع ذلك على اتخاذ خطوات أكثر تطرفًا في المستقبل، سواء في مجال الاستيطان أو في سياسات التهجير أو حتى في قواعد الاشتباك العسكرية.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر فقط بقانون داخلي أو بإجراء عقابي بحق أفراد متهمين بجرائم، بل بتحول استراتيجي في طبيعة الصراع، من احتلال يمارس القمع بوسائل تقليدية، إلى نظام يسعى إلى تقنين أقسى أشكال العقاب وإضفاء شرعية قانونية عليها. وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل واضح لوقف هذا المسار، فإن سابقة إعدام الأسرى قد تفتح الباب أمام مرحلة أكثر دموية وتعقيدًا في تاريخ المنطقة، وتؤكد مرة أخرى أن غياب الردع هو أخطر ما يمكن أن يواجهه أي نظام دولي يدّعي حماية القانون وحقوق الإنسان.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق والمحامى بالنقض




















.jpeg)


