الدكتورة ميادة محمود تكتب: الاستدامة تحت النار بين طموحات 2030 وواقع الحروب
في سباقٍ عالمي نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030، وضعت الأمم المتحدة خريطة طريق تقوم على اقتصاد أكثر عدالة، وبيئة أكثر أمانًا، ومجتمعات أكثر استقرارًا، غير أن عودة الحروب واتساع رقعة النزاعات أعادا طرح السؤال المؤلم: هل يمكن تحقيق تنمية حقيقية في عالم تتزايد فيه بؤر الصراع؟ فالحرب لا تقتل البشر وحدهم، بل تقتل الخطط، وتجمّد الاستراتيجيات، وتهدم ما بُني عبر سنوات طويلة في لحظات قليلة.
التنمية المستدامة ليست مجرد برامج بيئية أو مؤشرات نمو اقتصادي، بل هي في جوهرها مشروع سلام طويل الأمد يقوم على الاستقرار الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، وحماية البيئة، وهذه الأعمدة الثلاثة لا يمكن أن تصمد في بيئة يسودها النزوح، وانهيار البنية التحتية، وتراجع الاستثمار، وفقدان الأمن الغذائي، وانعدام الثقة بين الشعوب. فالحرب تستهلك الموارد بينما التنمية تبنيها، والحرب تراكم الخسائر بينما الاستدامة تراكم الفرص، وكلما طال أمد النزاعات، تراجعت فرص تحقيق أهداف 2030.
فعلى المستوى الاقتصادي، تدفع الحروب المجتمعات نحو الفقر نتيجة توقف عجلة الإنتاج، وهروب رؤوس الأموال، وتراجع فرص التشغيل، وتآكل الطبقة المتوسطة، وقد يفقد اقتصاد نامٍ في لحظة واحدة سنوات من النمو المتراكم. أما الأمن الغذائي، فيكون من أوائل الضحايا، إذ تتعطل سلاسل الإمداد، وتُهجر الأراضي الزراعية، وتُدمَّر مرافق التخزين والنقل، فترتفع الأسعار بشكل يرهق حتى الدول غير المنخرطة في النزاع، لأن الحروب لم تعد أزمات محلية بل موجات ممتدة تتجاوز الحدود.
وفي القطاع الصحي، تتحول المستشفيات إلى ساحات طوارئ دائمة، وتتراجع الخدمات الوقائية والرعاية الأولية، ويتآكل أحد أهم ركائز التنمية البشرية، بينما التعليم لا ينجو من التداعيات، إذ تُغلق المدارس، وتتوقف الجامعات، وتنشأ أجيال في بيئة يسودها القلق وعدم الاستقرار، والخسارة هنا لا تُقاس بعام دراسي ضائع، بل بعقود من التأخر المعرفي والاجتماعي. وعلى المستوى البيئي، تتراجع أولويات العمل المناخي أمام سباق التسلح، وترتفع الانبعاثات، وتضعف الرقابة البيئية، وتُستنزف الموارد الطبيعية دون حساب طويل الأجل، ليترك كل صراع مسلح خلفه ديونًا بيئية تدفع ثمنها الأجيال القادمة.
كما تُضعف الحروب روح الشراكة الدولية، وهي أحد الأعمدة الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة، فبدلًا من التعاون يسود الاستقطاب، وبدلًا من توجيه التمويل إلى مشروعات التنمية، تتحول الموارد إلى سباقات تسلح، فتتآكل الثقة وتتعقد مهمة تحقيق الأهداف العالمية. وهكذا فإن كل رصاصة تُطلق في ساحة معركة قد تصيب هدفًا تنمويًا في مكان آخر من العالم.
ورغم قتامة المشهد، فإن الاستدامة ليست فقط ضحية للحرب، بل يمكن أن تكون أداة للسلام، فعندما تتشارك الدول في إدارة الموارد المائية، وتتعاون في مشروعات الطاقة النظيفة، وتبني سلاسل غذائية إقليمية، وتستثمر في التعليم وفرص العمل، فإنها تخلق مصالح مشتركة تقلل من احتمالات الصراع، وتعيد تعريف مفهوم الأمن ليصبح أمنًا غذائيًا ومائيًا وصحيًا ومناخيًا، لا مجرد تفوق عسكري.
العالم اليوم أمام اختبار حقيقي؛ فإذا استمرت النزاعات، سيصبح تحقيق أهداف 2030 أكثر صعوبة، لكن الأزمات قد تكون أيضًا فرصة لإعادة التفكير في مفهوم الأمن القومي بوصفه حماية للإنسان وموارده ومستقبله. فالحروب قد تنتصر في معركة، لكنها تخسر المستقبل، أما الاستدامة فهي الرهان الحقيقي على الغد، رهان على إنسان متعلم، واقتصاد منتج، وبيئة آمنة. إن العالم لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، بل إلى إطلاق مشروع عالمي يجعل السلام شرطًا أساسيًا للاستدامة، ويجعل الاستدامة ضمانة حقيقية للسلام، فإما أن نستثمر في بناء الإنسان، أو نظل نعيد بناء ما تهدمه الحروب، والخيار لا يزال بأيدينا.




















.jpeg)


