ريم بسيوني في قبة الغوري: وجود مسجد ابن طولون حتى الآن معجزة
استضاف مركز إبداع قبه الغورى" بشارع الأزهر، التابع لقطاع صندوق التنمية الثقافية، ندوة ثقافية ثرية ضمن سلسلة "ثلاثيات ريم بسيوني والعمارة". تركزت الندوة حول رواية "القطائع.. ثلاثية ابن طولون" للأديبة الدكتورة ريم بسيوني، وأدارت الحوار الدكتورة هبة صفي الدين، وسط حضور لافت من المثقفين والمهتمين بالتاريخ والعمارة.
بين القاهرة الفاطمية والقطائع.. الفرق بين "الكمباوند" والدولة المستقلة
خلال حديثها، عقدت الدكتورة ريم بسيوني مقارنة تاريخية مثيرة بين مدينة القاهرة التي بناها الفاطميون وقطائع أحمد بن طالون، مشيرة إلى أن الدولة الفاطمية عندما شرعت في بناء القاهرة، جعلت منها ما يشبه "الكمباوند" المغلق، حيث كان يمنع المصريون من السكن داخلها، وكانوا يقضون نهارهم فيها للعمل ثم يغادرونها ليلا قبل إغلاق أبوابها التي شيدها بدر الدين الجمالي.
أما عن أحمد بن طولون، فأكدت بسيوني أنه صاحب الفضل في تأسيس أول دولة مستقلة في تاريخ مصر الإسلامي، وهي الخطوة التي مهدت الطريق لظهور الدول المستقلة المتتالية، موضحة أن الدولة العباسية لم تستطع إحكام قبضتها على مصر بعد ابن طولون، مما دفعها للانتقام بهدم مدينة القطائع بالكامل، باستثناء الجامع الذي صمد كونه "بيت الله". ولتغطية هذا الإخفاق، أشيع حينها أن المسجد بني من ذهب مصر المسروق، وهو ما دحضته المصادر التاريخية اللاحقة.
ابن طولون اول من زرع التفاح ومنع تجارة الآثار
استعرضت بسيوني جوانب خفية من شخصية ابن طولون وتأثيره الحضاري، حيث كان أول من أدخل زراعة التفاح والسفرجل إلى التربة المصرية، كما كشفت بسيوني عن وعيه المبكر بقيمة التاريخ، مؤكدة أنه أول من منع التجارة في الآثار، وذلك بعد واقعة تعثر حصانه في منطقة الأهرامات واكتشافه لقطع ذهبية، فأصدر أوامره فورا بحظر المتاجرة بها.
وروت بسيوني مواقف تعكس إنسانية الحاكم وتخفيه بين الرعية، ومنها قصته مع الجنازة الغريبة لسيدة عجوز لم يمش خلفها أحد، فقرر الصلاة عليها بنفسه ليتجمع أهل مصر كلهم خلفه.
كما تطرقت إلى أزمة المياه فوق الجبل، وكيف استلهم فكرة إنشاء أنظمة مياه متطورة عرفت بـ "ساقية بن طولون" لتوصيل المياه لكل مكان، بعد أن طلب شربة ماء من خياط بسيط فشكا له صعوبة وصول الماء إلى بيته، قائلًا بعد طلبه مياه للشرب: "اشرب ولكن لا تشرب كثير، لان المياه لا تصعد للجبل"
عبقرية المعماري المصري و"عرايس السماء"
توقفت الأديبة عند مسجد أحمد بن طولون، واصفة إياه بالمعجزة المعمارية الصامدة لأكثر من مائة عام، وأشادت بسيوني بعبقرية المهندس المصري "سعيد بن كاتب الفرغاني" الذي شيد المسجد، مؤكدة أن المعماري المصري القديم لم يكن يضع حجرا دون معنى روحي وعقائدي.
وأشارت بسيوني إلى "عرايس السماء" (الشرفات) الموجودة في المسجد، مستشهدة بعبارة من روايتها: "العرائس في الشرفات ستحمي المسجد حتى يوم القيامة"، وأوضحت أن بقاء المسجد بتفاصيله الأصلية يعكس إخلاص وحب شديد لله من قبل بانيه، وهو ما يلمسه الزائر في كل ركن من أركان هذا الأثر العظيم.
المصريون صناع الحضارة وليسوا مغلوبين
ورفضت الدكتورة ريم بسيوني الفكرة السائدة بأن المصريين كانوا مسلوبي الإرادة او "مغلوبين على امرهم"، مؤكدة أن التاريخ سجل ثورات عديدة لهم ضد أي حاكم لا يرضون عن سياسته، موضحة أن الطموح المصري في ذلك العصر لم يكن منصب على السلطة أو الإمارة، بل تركز في السيادة المهنية كمعماريين، وأطباء، وحكماء، وعلماء.
وقالت إن ابن طولون رغم كونه الحاكم، إلا أن جهاز الدولة كان مصري، فوزراؤه كانوا من الأقباط المصريين، والعلماء والتجار والمعماريين جميعهم من أبناء الأرض، وهم من بنوا وأقاموا أركان الدولة.
متعة البحث والكتابة عند ريم بسيوني
ختمت بسيوني حديثها بالحديث عن شغفها بالبحث التاريخي، مؤكدة أنها تستمتع بالوصول إلى الحقيقة وسط النقاط الخلافية في التاريخ. وقالت: "الكتابة بالنسبة لي متعة تفوق الوصف، فأنا أعيش مع الشخصيات وأتحاور معها وكأنها حية".
























