الكاتب الصحفى صالح شلبى يكتب : اللواء الدكتور محمد درويش وحركة المحافظين المقبلة
في الحياة المهنية، تمرّ عليك أسماء كثيرة، ومناصب أكثر، لكن القليل فقط هم الذين يتركون بصمة حقيقية، ويصنعون حالة، ويجعلونك تتوقف أمام تجربتهم باعتبارها درسًا في الإدارة، وفصلًا في كتاب الدولة.
وخلال عملي داخل مجلسي النواب والشيوخ على مدار أكثر من 30 عاماً، كان لي أن ألتقي برجال كثيرين، لكن من بينهم يظل اللواء الدكتور محمد درويش نموذجًا مختلفًا، وتجربة متكاملة، تستحق أن تُدرّس، لا أن تُنسى.
محمد درويش لم يكن يومًا مجرد مسؤول يؤدي دورًا وظيفيًا، بل كان عقلًا منظمًا، وشخصية قيادية، ورجل دولة يعرف كيف تُدار المؤسسات في صمت، وكيف تُحل الأزمات قبل أن تتحول إلى عناوين ساخنة.
عرفته عندما كان مديرًا لحرس شرطة مجلسي النواب والشيوخ، وهو موقع شديد الحساسية، لا يحتمل الخطأ، ولا يسمح بالعشوائية، ويتطلب مزيجًا نادرًا من الحزم والفهم، والانضباط والمرونة.
في تلك المرحلة، لم يكن درويش مجرد مدير أمني، بل كان جزءًا من منظومة العمل البرلماني، يدرك طبيعة النائب، ويحترم دوره، ويوازن بدقة بين متطلبات الأمن وخصوصية العمل النيابي، ففرض حالة من الانضباط الهادئ، والاحترام المتبادل، دون افتعال صدام أو استعراض قوة.
ولعل من أبرز النجاحات غير المسبوقة فى مسيرة اللواء الدكتور محمد درويش داخل قطاع الأمن، ثقة الراحل الدكتور أحمد فتحى سرور، رئيس مجلس النواب الأسبق، حين تم تعيينه وكيلاً لوزارة داخل مجلس النواب، وهو المنصب الذى شغله على مدار خمس سنوات كاملة، شهد خلالها البرلمان تطويرًا غير عادى فى المنظومة الأمنية والتنظيمية وكافة قطاعات العمل، فى مرحلة دقيقة كانت تتطلب رجل دولة من طراز خاص.
ثم جاءت المرحلة الأهم، والأكثر تعبيرًا عن معدن الرجل الحقيقي، حين تولّى منصب مستشار الشؤون السياسية والبرلمانية للدكتورة نيفين القباج، وزيرة التضامن الاجتماعي السابق أسطورة العمل الاجتماعى، وهنا انتقل من إدارة المشهد الأمني إلى قلب المشهد السياسي البرلماني، ليؤكد أن القيادات الحقيقية لا تُقيّدها المسميات، بل تبرزها المواقع.
في هذا المنصب بالغ الحساسية، كان اللواء الدكتور محمد درويش حلقة الوصل الفعلية بين النواب ووزارة التضامن الاجتماعي، لا على الورق، بل على أرض الواقع.
كان حاضرًا، متابعًا، مستوعبًا لكل تفصيلة، مستمعًا لكل نائب، ناقلًا للرؤية بصدق، ومترجمًا للطلبات إلى حلول قابلة للتنفيذ.
وشهدت تلك الفترة حالة من التناغم غير المسبوق بين الوزارة ومجلسي النواب والشيوخ، حيث لُبِّيت مطالب النواب بمختلف انتماءاتهم، وتنوّعت الاستجابات دون تعقيد أو بيروقراطية، ما انعكس بشكل مباشر على الأداء العام للوزارة، وعلى رضا النواب، وعلى المواطن في النهاية.
ولعل أبرز ما يُحسب لهذه المرحلة، أن كافة الأدوات الرقابية ضد الوزارة كادت أن تختفي، لا مجاملة، ولا خوفًا، ولكن لأن المشاكل كانت تُحل قبل أن تتفاقم، والطلبات كانت تُناقش بعقل الدولة لا بمنطق الصدام، وذلك بفضل إدارة درويش لهذا الملف الحساس بحرفية نادرة.
هذه ليست مصادفة، بل نتاج عقلية إدارية واعية، تؤمن بأن النائب شريك في الحل، لا خصمًا، وأن التواصل المباشر الصادق هو أقصر الطرق لإنجاز الملفات، وأن احترام المؤسسة التشريعية هو أساس الاستقرار السياسي.
وهنا تتجلى حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها- محمد درويش ليس مسؤولًا عابرًا، بل مدرسة قائمة بذاتها،مدرسة في الإدارة، مدرسة في احتواء الأزمات،مدرسة في قراءة المشهد السياسي،ومدرسة في العمل بصمت دون ضجيج.
تراه في قراراته وكأنه وزير متمرس، وتلمس في إدارته عقلية محافظ، وتشعر في حضوره بهيبة قائد،وتكتشف في تعامله إنسانًا يفهم الناس قبل الملفات.
الكل يشهد له بالكفاءة، والقدرة على إدارة أصعب وأدق الملفات، خاصة تلك التي تتداخل فيها السياسة بالخدمة العامة، وتتصادم فيها المطالب مع الإمكانيات، ومع ذلك كان درويش دائمًا قادرًا على إيجاد حلول واقعية، بعيدة عن الشعارات، وقريبة من نبض الشارع.
ما يميّز اللواء الدكتور محمد درويش حقًا، أنه لا يسعى إلى الأضواء، ولا يجيد فن الادعاء، لكنه يتقن فن الدولة؛ يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يتدخل، ومتى يترك الأمور تسير وفق مسارها الطبيعي.
ومن هنا يفرض السؤال نفسه بقوة- أليس من حق الدولة أن تستفيد من هذه الجامعة المتحركة؟ولماذا لا يُدفع بمحمد درويش إلى موقع محافظ،فى حركة المحافظين المقبلة، خاصة في المحافظات التي تحتاج إلى رجل دولة، لا موظفًا تقليديًا؟ محافظ يفهم معنى التنسيق مع النواب،محافظ يجيد إدارة الملفات الشائكة، محافظ يعرف أن خدمة المواطن تبدأ من احترامه،ومحافظ يعمل بعقلية الحل، لا تبرير الفشل.
إن مصر، في هذه المرحلة الدقيقة، لا تحتاج إلى كثرة المسؤولين، بقدر ما تحتاج إلى رجال دولة حقيقيين، يمتلكون الخبرة، والهدوء، والرؤية، والقدرة على العمل داخل أصعب الظروف.
اللواء الدكتور محمد درويش واحد من هؤلاء، بل من القلائل الذين إذا أُسندت إليهم المسؤولية، أضافوا إليها، ولم يستهلكوها.
ختامًا، يمكن القول بثقة -اللواء الدكتور محمد درويش ليس مجرد اسم في سجل المناصب، بل تجربة وطنية متكاملة، وجامعة إدارية وسياسية يجب على الدولة أن تحسن الاستفادة منها - رجال مثل اللواء الدكتور درويش ،هم الاستثمار الحقيقي في مستقبل الإدارة، واستقرار الدولة، وخدمة هذا الوطن.
























